الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فحين نفهم الزمان والناس، أو نُسْقِط تصوراتنا على واقع لا يشبهها؛ يبرز الفرق الجوهري بين البصيرة والضياع. إن فقه الواقع ليس تنازلًا عن المبادئ، ولا ذوبانًا في الظروف، ولا تبريرًا للأخطاء باسم "المرحلة"؛ بل هو فهم دقيق لما يجري حولنا، وكيفية تنزيل القيم على الأرض دون تشويه أو تصادم أعمى.
أمَّا العيش في الوهم فهو: أن نتعامل مع صورة ذهنية عن الواقع، لا مع الواقع نفسه.
فقه الواقع وعي بالسياق قبل الحكم، فقه الواقع يعني بالضرورة أن تعرف أين أنت، ومع من تتعامل، وأن تدرك ما الذي يمكن تغييره الآن، وما الذي يحتاج إلى تدرُّج؛ لذا، فإن صاحب فقه الواقع لا يُسْقِط أحكامًا في فراغ، ولا يُعَمِّم تجربة واحدة، ولا يطالب الناس بما لم تُهَيِّئْه الظروف؛ لأن الحكم بلا سياق هو ظلم جديد.
نفسيًّا: لماذا نعيش في الوهم؟
يغرينا الوهم دائمًا لعدة أسباب؛ فهو أبسط من التعقيد، ويريح الضمير، ويمنحنا إحساسًا بالطهر المطلق. في عالم الوهم:
- أنت دائمًا على صواب، والآخر دائمًا مقصِّر.
- الواقع يبدو "منحرفًا" فقط لأنك لم تفهمه.
لكن ثمن هذا الوهم باهظ؛ إذ يؤدي إلى صدمة متكررة، وإحباط مستمر، وانفصال تام عن الناس. فالوهم لا يحمي الإيمان، بل يعزله.
العيش في الوهم صدامٌ بلا أثر:
من يعيش في الوهم يجد نفسه يخاصم الواقع بدل إصلاحه، ويُكَفِّر التجربة بدل فهمها، ويرفض التعقيد لأنه لا يناسب تصوراته المسبقة. فيتحول خطابه إلى مجرد شعارات، وأحكام قاسية، ومواقف لا تغيِّر شيئًا؛ فالواقع لا يُهزم بالإنكار، بل بالفهم.
تصحيح ضروري: فقه الواقع لا يعني تبرير الخطأ:
يجب أن نفرق بوضوح بين المفاهيم، ففقه الواقع: لا يعني التسويغ، ولا التنازل، ولا الذوبان.
أمَّا الوهم، فهو قسوة في غير موضعها، ورحمة في غير وقتها.
اجتماعيًّا: أثر الفهم أو الوهم:
يظهر أثر هذا التمييز في مختلف مجالات الحياة:
- في الدعوة: فقه الواقع يثمر تأثيرًا، بينما الوهم ينتج نفورًا.
- في الإصلاح: فقه الواقع يبني خطوات مدروسة، والوهم يرفع سقفًا مستحيلًا.
- في الحكم على الناس: الفهم يُنْصِف، والوهم يقصي.
إن كثيرًا من الإخفاقات لم تكن لقلة الإخلاص، بل كانت نتيجة لغياب فقه الواقع.
لماذا يأتي فقه الواقع بعد الحكمة؟
لأن الحكمة تحسن القرار، وفقه الواقع يحدد ميدانه، فالحكمة بلا فقه واقع تصبح مثالية معزولة، وفقه الواقع بلا حكمة يتحول إلى براغماتية باردة؛ لذا فإن الوعي المتزن هو ما يجمع بينهما.
وقفة صادقة مع الذات:
اسأل نفسك بوضوح:
- هل أفهم الواقع أم أكتفي برفضه؟
- هل أفرِّق بين المبدأ وتطبيقه؟
- هل أراعي المراحل والطاقات؟
- هل أحاكم الناس بما أستطيع أنا تحمُّله؟
هذه الأسئلة لا تضعف الحق، بل هي جسر نجاحه.
ختامًا:
فقه الواقع هو أن تمسك بالقيم وأنت تسير على أرض متحرِّكة.
أمَّا الوهم، فيعطيك يقينًا مريحًا، ثم يتركك تتصادم مع العالم دون أن تترك أي أثر.