كتبه/ حسن حسونة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن العمر مزرعة الحياة؛ فمن زَرَع فيها الإيمان والعمل الصالح، واجتنب الشرك والمحرمات، حصد الأمن والهداية في الدنيا والآخرة، ومن زرع الشرك والمعاصي والأوزار حصد الخوف والضنك في الدارين، وإنما يتسابق الناس ويتسارعون في ذلك، وكلهم يغدو، فبائع نفسه؛ فمعتقها أو موبقها.
والعاقل اللبيب الذي يعي أن الحياة قصيرة، ومهما عمر في الدنيا فلا بد من الموت ودخول القبر، ولا بد من الوقوف أمام الله ليسأله عن الصغير والكبير، والجليل والحقير، فيحاسبه على ما قدم؛ فإما أن يبشر بالجنان، وإما أن يبكت ويخزى بالنيران، عياذًا بالله.
ومما حَثَّ عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- اغتنام الأوقات وعدم تضييعها، واغتنام الأحوال التي تساعد على الطاعة ويسهل فيها أداؤها؛ فقال كما في الحديث الذي أخرجه الحاكم -رحمه الله-: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لرجل وهو يعظه: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) (أخرجه الحاكم، وصححه الألباني).
فهذه الخمس -أيام الشباب، والصحة، والغنى، والفراغ، والحياة- هي أيام عمل وتأهب واستعداد وتزود للآخرة؛ ففيها الجهاد والدعوة والمحافظة على الصلوات وطلب العلم والحج والزكاة والصدقة وغير ذلك. فمن فاته العمل فيها لم يدركه عند مجيء أضدادها، وهي: الهرم، والمرض، والفقر، والشغل، والموت! بل حينها يتمنى الرجوع إلى الحال التي كان عليها ليتزود بالخير والعمل، ولكن ولات حين مناص، وربما يصل إلى تلك الحالة: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون: 99-100).
وتعظم له الحسرات، ولكن بعد فوات الأوان، ويحال بينه وبين ما يشتهي من التوبة والرجوع إلى الله.
وقد حثنا الله حثًا عظيمًا، وحضنا أشد الحضِّ على اغتنام الفرص في زمن المهلة وعدم تضييعها؛ فقال: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (آل عمران: 133)، وقال أيضًا: (وَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: 148)، وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- حال كثير من الناس في تضييعهم لأوقاتهم وعدم الاكتراث بها، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) (رواه البخاري).
والغبن هو: الخداع والنقص وبخس القيمة؛ فكثير من الناس يضيعونهما في غير الوجه اللائق بهما.
فاغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، تنعم بحياتك وآخرتك.