الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الخميس 26 مارس 2026 - 7 شوال 1447هـ

أكذوبة حتمية الاستجابة وأثرها في رواج التوسل البدعي والشركي

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (الحجر: 87)، فذكر -عز وجل- فضله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- وعلى الأمة من بعده في إنزال القرآن عامة، ثم خص منه الفاتحة (السبع المثاني)، والقرآن كله مثاني، والسور التي تلي السور ذات المائة آية مثاني، ولكن أخص سور القرآن بوصف المثاني هي الفاتحة؛ فهي التي تتكرَّر وجوبًا سبع عشرة مرة -على الأقل- في اليوم والليلة، وهي عدد الركعات في الصلوات المكتوبة.

وفي الفاتحة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، ومعناها: ألا نعبد إلا إياك، ولا نتمكن من عبادتك إلا بأن تعيننا عليها؛ فلا نستعين على العبادة ولا على غيرها إلا بك.

ومما يستفاد من الجمع بين "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" و"وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ": أنه لا يستعان إلا بمن هو مستحق للعبادة؛ لأن الاستعانة المطلقة عبادة، ومِن ثَمَّ لا تكون إلا بمَن يستحق العبادة.

وهذا أيضًا معنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة: 35).

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسيرها: "يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قُرِنت بالطاعة كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ). قال سفيان الثوري: حدثنا أبي عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أي القربة".

فالوسيلة المرادة في هذه الآية تشمل جميع القربات في جميع الأحوال. وقد غلب في الاصطلاح استعمال كلمة "التوسل" في اتخاذ الوسائل التي يُرجَى معها إجابة الدعاء.

النوع الأول من التوسل المشروع في الدعاء:

والدعاء عبادة: قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر: 60)، فوَصَف المعرضين عن دعائه بأنهم مستكبرون عن عبادته. وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

وهذا يعود بنا إلى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)؛ فالدعاء تعبير عن الاستعانة، فلا يكون إلا لله بكل الاعتبارات كما نقول: "إياك نعبد"، ونقول: "إياك نستعين".

فعلمتنا سورة الفاتحة الجمع بين العبادة والاستعانة، ومما نتعلمه أيضًا من سورة الفاتحة: أن الأفضل أن يكون هناك جمع بين الثناء وبين المسألة؛ لأن الفاتحة فُتِحت بالثناء ثم أتى بعده السؤال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).

ولِكَوْن الفاتحة تُكرَّر ذُيِّل الدعاء بصفات يحتاج الداعي أن يستحضرها في نفسه، وهي حال مَن سبقه على الطريق ومَن حاد عنه؛ فأمرنا ربنا بعد أن نسأله الصراط المستقيم أن نزيد في أوصافه لكي نستحضرها: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ).

ومن عجيب ما يمكن أن تَسمع: ما ذكره "الحبيب علي الجفري" من أن ذِكْر (الذين أنعمت عليهم) دليل على أنه لا ينبغي أن تلج باب دعاء الله مباشرة، بل لا بد أن تتوسل بالصالحين!

والآيات نص في أننا نسأل الله مباشرة (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، وإنما جاء ذكر الصراط وكون المُنعَم عليهم كصفة للصراط للتوضيح والتعليم والتربية، ولكنها جزمًا لم تغيِّر شيئًا من واقع أن الدعاء مباشر من العبد لله تعالى: (اهْدِنَا).

نخلص من هذا: إلى أن الفاتحة قد ضُمِّنت دعاءً مشمولًا بثناءٍ على الله تعالى، وهذا النوع الأبرز من التوسل في الدعاء؛ وهو: الثناء على الله بأسمائه وصفاته، وهو كثير جدًّا في القرآن:

- (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: 127).

- (وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (المائدة: 114).

- (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف: 89).

- (رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) (المؤمنون: 29).

- (رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) (المؤمنون: 118).

ففاتحة الكتاب ومعظم أدعية القرآن والسُّنة دائرة على هذا النوع من التوسل المشروع.

وبالعودة إلى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وصور الجمع بين العبادة والاستعانة؛ نجد أن هذا النوع هو أرجى الدعاء في السجود والطواف، وفي دبر الصلوات، وعند الإفطار، وفي عرفات.

النوع الثاني من التوسل المشروع:

ومنه أن يستحضر الداعي عملًا صالحًا قد عمله فيتقرَّب به إلى الله متوسِّلًا قبول دعائه، ومن أوضح أمثلته في السُّنة: حديث الثلاثة الذين أُغلِق عليهم الغار.

ومن أمثلته في القرآن:

- (رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران: 16).

- (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران: 53).

- (رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) (المؤمنون: 109).

وربما جمع بينه وبين ما قبله في مثل قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ . رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (آل عمران: 193- 194).

فتوسَّلوا إلى الله بعملهم الصالح وهو الإيمان، وبالثناء عليه: (إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ).

ملاحظة:

ما يَرِد مِن ذِكْر الرُّسُل هنا لا يُخرج التوسل من كونه بالعمل الصالح إلى كونه بالرسل؛ لأن الداعي إنما يذكر "إيمانَهُ هو بالرسل"، ويجعله بين يدي دعائه، وبالتالي يظل هذا النوع من التوسل دائرًا بين (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

النوع الثالث من التوسل المشروع:

إذًا فالدعاء من العبد إلى الله، وإذا أراد أن يضمِّن دعاءه وسيلة ليكون أرجى للقبول؛ فالأصل أن يكون هذا التوسل بعباداته هو، والأصل قوله تعالى: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) (النجم: 39).

ومن رحمة الله تعالى بالعباد أنه شرع أن يدعو الإنسان لغيره كما ورد من دعاء الخليل إبراهيم -عليه السلام- لذريته في قوله تعالى: (إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة: 127- 129). وهذا لا يخرج عن كون الدعاء لله -عز وجل-، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته أو بالعمل الصالح من العبد، كما كان هذا أثناء بناء الكعبة، ولكن المسألة متعلقة بالغير، وهذا من الإحسان إلى ذلك الغير.

ومن سعة رحمة الله بالعباد: أنه أَذِن لمن يرغب أن ينتفع بهذا الإحسان ممَّن يرجى صلاحه، ومِن ثَمَّ احتمال أكبر في إجابة دعائه، فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) (النساء: 64).

قال أبو جعفر الطبري -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: "يعني بذلك -جل ثناؤه-: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصف صفتهم في هاتين الآيتين، الذين إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدُّوا صدودًا، (إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت، وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله إذا دعوا إليها، (جَاءُوكَ) يا محمد، حين فعلوا ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دون حكمك، جاءوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم، وسأل لهم اللهَ رسولهُ -صلى الله عليه وسلم- مثل ذلك. وذلك هو معنى قوله: (فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ)".

وبالتالي فهذا هو النوع الثالث من التوسل المشروع؛ وهو: سؤال الدعاء من رجل صالح حي حاضر، فيدعو الله له.

وأما الروايات التي فيها أن أحدًا فَهِم من الآية أنه يستمر العمل بها بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيجب أن يُعلم:

1- أن هذا ليس المقصود من الآية عند السلف، وإن لم يمنع أن يبحث مدى صلاحيتها للدلالة على ما لم يدخل فيها ابتداءً.

2- نحتاج أن نبحث عن مدى صحة السند عمن أُسنِد إليه أنه رأى أن العمل بها مستمر بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

3- أن هذا الاستنباط إن أُسنِد إلى أحدٍ وهو غير ثابت، وعلى فرض ثبوته؛ فليس إجماعًا، بل هو مخالف لفعل جمهور الصحابة، بل لإجماعهم؛ فإنهم عدلوا عن التوسل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتوسلوا بعمه العباس -رضي الله عنه-؛ مما يعني أن الصورة الوحيدة الجائزة من التوسل في دعاء الله عن طريق أحدٍ من عباده هي: أن تطلب الدعاء من هذا العبد، وأن هذا الطلب لم يكن ممكنًا أن يُطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته رغم أن حياته البرزخية أكمل حياة برزخية؛ إلا أنها تبقى برزخية، لا نعلم ما يجوز فيها مما لا يجوز إلا بالنصوص.

وقد علم الصحابة أن التوسل بالغير لا يكون إلا بأن تطلب منه الدعاء، وأن هذا الطلب لا يوجَّه إلا لشخص حي، وإلا لما تركوا التوسل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته.

إذًا فأنواع التوسل المشروع في الدعاء التي وردت في القرآن هي:

1- التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته.

2- التوسل إلى الله بالعمل الصالح؛ ومنه: الإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم- ومحبة صحابته، وآل بيته.

3- التوسل بطلب الدعاء من رجل صالح حي حاضر.

ولا يوجد في القرآن أي نوع آخر من التوسل المشروع، وقد وردت في السُّنة صور من التوسل بحقِّ السائلين أو بحق بعض الصالحين، أو بالاستغفار عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو مما يصدق عليها أن صحيحها غير صريح، بل لا دلالة فيه البتة، وصريحها غير صحيح (وسنناقشها في مقالة أخرى إن شاء الله)، ولكن من المفيد هنا أن نثبت قضية عقلية وتربوية، وهي كما رأينا أن الأصل (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) وأن الدعاء الذي هو العبادة يجب أن يكون داخل إطار (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

وأن التوسعة في أنه يمكن أن يدعو المسلمون بعضهم لبعض لم تخرج الأمر من هذا؛ حيث يظل الراغب في الدعاء متوجهًا إلى الله، ويضم إلى طلبه طلب رجل صالح؛ فما زال الأمر بعيدًا عن توهم تصرف هذا الصالح في الكون، فهو سيدعو الله ويتذلل له. ويكون أيضًا بعيدًا عن ركون صاحب المسألة إلى دعاء هذا الداعي؛ ولأن هذا الداعي لو كان صالحًا فسينصح المدعو، ويطلب منه أن يعلِّق قلبه بالله.

وأما أن يجعل مكانة وجَاه بعض الصالحين بابًا لكي يسأل كل أحد الله به، بلا أي صلة أو رابطة؛ فهذا يفتح باب التواكل والزهد في العمل وقد كان؛ بخلاف ما لو توسل إلى الله بالإيمان بالأنبياء أو حب الصالحين، أو حتى طلب من الحي الحاضر أن يدعو الله له. ثم إن هذا الركون إلى السؤال بالجاه ثم بالذّات جَرَّ إلى "دعاء غير الله" صراحةً، وتسمية هذا الدعاء والطلب من غير الله توسلًا.

العجب من ترك التوسل الثابت بالقرآن المجمع على مشروعيته إلى غيره:

والعجيب هو انصراف معظم الصوفية عنه "وهو الأصل!".

وليتهم انصرفوا عنه إلى أنواعٍ أخرى مشروعة، أو حتى إلى الأنواع التي في مشروعيتها شبهة دليل -كسؤال الله بحقِّ السائلين-، بل انصرفوا إلى أنواعٍ غير مشروعة، بل إلى الدعاء الصريح لغير الله؛ كقولهم المشهور: "مدد مدد!"، وهو: طلب المدد أي: العون؛ إذًا فهو العدول عن "إياك نستعين" إلى طلب المدد من النبي -صلى الله عليه وسلم- تارة، ومن فاطمة -رضي الله عنها- تارة، ومن علي والحسن والحسين تارات أخرى، ثم من البدوي والدسوقي والرفاعي والجيلاني تارات أخرى!

كيف راجت على الخلق هذه الأنواع البدعية والشركية من التوسل؟!

إن التوسل المشروع يبقى دعاءً من داعٍ لربِّه مباشرةً، وأقصاه: وجود داعٍ يطلب مسألة غيره، ولكن مع عدم الإخلال بأن الدعاء من الداعي لربه -عز وجل-، ولكن هل تتم الاستجابة؟ يعني: هل كل من سأل الله الرزق يُعطاه، ومن سأل الشفاء يُشفى، ومن سأل كل أمنية ينالها؟!

بلا شك يتعرَّض الإنسان لابتلاءاتٍ لا يحبها، وربما استمرت طوال حياته أو استمرت مدة كبيرة منها، وقد يكون هناك إرشاد للأخذ بأسباب إجابة الدعاء مِن: الإخلاص، والافتقار إلى الله، وإطابة المطعم، وغيرها، ولكن أيضًا الواقع يقول: إن حتى الأنبياء والمرسلين قد تعرَّضوا لابتلاءات من: مرض وجوع، ومن الهزيمة أمام الأعداء أحيانًا.

وهذه هي النكتة؛ أن الدنيا دار ابتلاء، ولا يمكن أن يزول عنها صفة الابتلاء بأن يجعل الدعاء دائمًا رافعًا للبلاء جالبًا لما يحبه الإنسان، ولكن من فضل الله تعالى أن العبد إذا سأل ربه ما ليس في قَدَر الله أن يعطيه إياه؛ فإنه يعطى من الثواب والصبر والرضا، ومن النعم الأخرى ما الله به عليم؛ كما في الحديث عن أبي سعيد -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا) قَالُوا إِذًا نُكْثِرُ . قَالَ: (اللَّهُ أَكْثَرُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

وهذه هي خلاصة العقيدة الصحيحة في دعاء الله تعالى، وما فيه من توسل مشروع.

أكذوبة حتمية الإجابة في التوسل غير المشروع وفي سؤال غير الله:

ذكرنا أن هناك أنواعًا من التوسل اختلف فيها العلماء، والراجح منعها؛ لكونها لم ترد في القرآن، ولا في صحيح السُّنة، ولا عملها الصحابة الكرام، وغايتها أن تنسب إلى آحادٍ منهم، بينما لدينا اتفاقهم على تركها في قصة استسقاء عمر -رضي الله عنه- بالعباس.

والمشاهَد: أن الصور المختلَف فيها تبعد بدرجات متفاوتة عن صورة داعٍ يدعو ربه، ويرفع له حاجته مثنيًا على الله بأسمائه وصفاته، ومتذللاً بفعل نفسه، إلى وجود مزاحمة من شرف وجاه غير صاحب المسألة.

وتم التداخل بين هذا وبين الغلو في إثبات الكرامات لبعض الرموز التي ادعوا لها الولاية من جهتين:

الأولى: ذكر حكايات مكذوبة فيها مبالغات: فمثلًا: يقولون أنه جاءت امرأة إلى البدوي في حياته وهو في طنطا، وكان ابنها قد أسره الصليبيون في المنصورة، فمد البدوي يده من النافذة فأتى بابنها فوضعه أمامها وهو في قيوده، وهي التي يتغنَّى بها مجاذيب البدوي في مولده: "الله الله يا بدوي جاب اليسرى!" (وأصلها الأسرى كما أنشدها شيخهم علي جمعة مرة هكذا، ومرة هكذا في مولد البدوي الأخير!).

وهنا نحن لسنا أمام واقعة توسل في الدعاء، بل هي اشتكت له فظهرت هنا كرامة من كراماته.

وهنا ستثور عدة أسئلة:

أولًا: لماذا قعد البدوي عن الجهاد والصليبيون يدكون بلادنا؟ (وفي رواية أخرى: أنه كان مجاهدًا وشارك في حرب الصليبيين، وبالطبع فهذا يُحكى عن شخص آخر غير الذي يحكي عنه المجاذيب، ولا ندري البدوي الحقيقي أي واحد منهما، ولكننا نناقش مجاذيب البدوي فيما يعتقدونه فيه).

ثانيًا: لماذا لم يستعمل تلك القدرات الخارقة في ردِّ الأعداء أصلًا عن بلاد المسلمين؟!

ثالثًا: لماذا هذا الأسير بالذات؟

رابعًا: لماذا لم يفك قيوده؟

خامسًا: حكى الشعراني: وبعد وفاة البدوي بقريب من 300 سنة وُجِد شخص أعلى منارة مسجد ثم اكتشف أنه كان أسيرًا في بلاد الإفرنجة، وهتف باسم البدوي؛ فأتى به وألقاه فوق تلك المنارة!

وبالطبع عندنا قصة إرجاع الطفل من فمِّ التمساح، وبطلها في هذه المرة الدسوقي.

وعند الشعراني -في طبقاته- أولياء عُرِفوا بإحداث الأثر الفوري في عقاب مخالفيهم حتى فيمن يحاول منعهم من الوقوع في فواحش؛ كقصة الذي كان يأتي الدواب في الطريق، ويجبر صاحبها على مساعدته، فإن فعل وإلا تسمَّر مكانه!

وبالطبع فهذه إما أكاذيب أو أحوال شيطانية من استعمال السحر ونحوه:

- فالكرامة للولي إنما تكون مع استقامته على شرع الله.

- الكرامة -لا سيما في خوارق العادات- لم تتحول في أي عصر من العصور إلى أصل، وما ثبت من كرامات لأفضل الأولياء كان مِنَّة من الله بإنقاذٍ من عدو أو رد مصيبة، ولم تتحول إلى خرق للعادة مستمر، كما تصف به الصوفية كرامات شيوخها!

- لا يُعلم قط عن أحدٍ من أهل العلم ادعاء أن الكرامة صارت أحد ملكات الشخص أو مقدوراته الدائمة؛ ولذلك تخلصت الصوفية من الدندنة حول الكرامة، وانطلقوا إلى رحابة ادعاء تفويض الله أولياءهم بإدارة شؤون الكون!

وبَلَغ من هذا أن ادعوا: أن هناك حكومة باطنية (ليست نسبة إلى الفرق الباطنية، ولكنها نسبة إلى خفائها عن الناس، وإن كانت هي جديرة بأن تنسب إلى أقوال وأفعال الفرق الباطنية فعلًا)؛ هذه الحكومة ديوان بشري ما بين معاصرين وموتى، فيه القطب الغوث مع الأقطاب الأربعة: البدوي والدسوقي والرفاعي والجيلاني، مع الأبدال والنقباء، والسيدة زينب هي رئيسة الديوان (فيما يبدو هذا حال حضورها؛ لأن مفوض رئيس الديوان عندهم هو القطب الغوث من الأحياء، ولأنهم ينصون على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ربما حضر الديوان وساعتها يترأسه!).

وهذا الديوان المكذوب سيزعمون أنه مفوض من الله في قضاء حوائج العباد، وهؤلاء البشر هم من يقرِّر حاجات البشر!

وكيف تصل الطلبات لهذا الديوان؟!

يزعمون أن لكل منطقة صاحب تصريف ترفع طلبات أهلها من خلاله!

كل هذا الكذب على الله ليس له من مستند إلا أن البعض جاءه كشف ففتح له هذا العالم (الذي يسميه بعضهم الملكوت!)، وعندما علموا أن السيدة زينب رئيسة الديوان رفعوا إليها الحاجات، فوجدوا الاستجابة دائمًا لمن يطلب منها فصدقوا هذا الكشف! (راجع هذا المقطع: https://www.facebook.com/reel/1388226393059517).

 لقد كتب كثيرون عن حكومة العالَم الباطنية كما يتوهمها الصوفية، وكنا نتعجب أنه مرَّ على الناس زمان كانوا يعتقدون فيه مثل هذه الخرافات؛ فإذا بنا نفاجأ أنها ما زالت تعيش بين أظهرنا -وإنا لله وإنا إليه راجعون-.

وعند مَن يعتقد أن للعالم حكومة باطنية، سيكون دعاء الله لا طائل منه البتة (ونستغفر الله من قول هذا القول المنكر!)، ولكن هذا حاصل قولهم، والمشاهَد من فعلهم!

فالله عندهم قد فوَّض التصرف للديوان، فلم يعد هناك مجال لرفع الطلبات إلا للديوان.
بالإضافة إلى أن رفع الطلبات إلى الله -فتكون كما هو مقرَّر عند علماء الشريعة-: فإما أن يستجاب لك، أو يدخر لك. 

بينما رفع الدعوات للديوان في زعم الصوفية مصيره الإجابة الحتمية! فإذا لم تأتِ الإجابة يقولون: لعلك لم تخضع لشيخك كما ينبغي، أو لعلك شككت أو لعلك... وفي النهاية يرهبون مَن يقع في براثنهم أن يعيد مناقشة فرضية حتمية الاستجابة المدعاة!

وإلى هذا المعنى أشار الشيخ "محمد عبده" فيما نقله عنه الشيخ "علي محفوظ" في كتابه: "الإبداع في مضار الابتداع" في الفصل الذي عَنْوَن له: بـ"بدع أرباب الطرق"، وساق كلامًا للشيخ محمد عبده اعتذر فيه عن الصوفية الأوائل في استعمال الألفاظ الرمزية، وفي تقريرهم قاعدة المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي مغسله.

ثم تابع الشيخ محمد عبده قائلًا: "فتبيَّن من هذا الإجمال: أن قصدهم في هذه الأمور كان صحيحًا شريفًا، وأنهم ما كانوا يريدون إلا الخير المحض؛ لأن صحة القصد وحسن النية أساس طريقهم. ولكن تلك المقاصد الحسنة قد تغيَّرت، ولم يبقَ من رسومهم الظاهرة إلا أصوات وحركات يسمونها: ذِكْرًا -يتبرأ منه كل صوفي-، وإلا تعظيم قبور المشايخ تعظيمًا أتلف عقائد البسطاء؛ فاعتقدوا أن لهم سلطة غيبية فوق الأسباب التي ارتبطت بها المسببات بحكمته تعالى ومشيئته، بها يديرون الكون ويتصرفون كما يشاءون! وأنهم قد تكلَّفوا بقضاء مطالب مريديهم والمستغيثين بهم أينما كانوا، وهو اعتقاد مخالف لكتاب الله وسنة رسوله، وسيرة السلف من: الصحابة والتابعين والمجتهدين".

إلى أن قال: "وأقبح من هذا: زعمهم أن الشريعة غير الحقيقة، فإذا ارتكب أحدهم ذنبًا، فأنكر عليه منكِر، قالوا في الجاني: إنه من أهل الحقيقة؛ فلا اعتراض عليه، وفي المنكِر: إنه من أهل الشريعة فلا التفات إليه! كأنهم يعتقدون أن الله أنزل للناس دينين، وأنه يعاملهم معاملتين -حاشا لله!-".

ثم أخذ يعدد مفاسد الموالد وما يكون فيها، ولكن الشاهد هنا قوله: "فاعتقدوا أن لهم سلطة غيبية فوق الأسباب التي ارتبطت بها المسببات بحكمته تعالى ومشيئته، بها يديرون الكون ويتصرفون كما يشاءون، وأنهم قد تكلفوا بقضاء مطالب مريديهم والمستغيثين بهم أينما كانوا، وهو اعتقاد مخالف لكتاب الله وسنة رسوله، وسيرة السلف من: الصحابة والتابعين والمجتهدين".

ولتكريس هذه العقيدة لا بد من ذكر كرامات للشيخ في حياته تتعجب معها، ولماذا إذًا لم نفتح الأرض من مشرقها إلى مغربها، ولدينا مَن يملكون تدبير شئونها، بل ولهم سلطان غالبًا خارج هذا العالم؛ فالجزيرة التي نَفَى إليها البدوي ابنَ دقيق العيد -رحمه الله- في زعمهم تبعد عن القاهرة مسيرة 60 عامًا!

ولا بد من كمٍّ من الكذب والكذابين لتأكيد أن هذه الكرامات مستمرة بعد الممات!

وتذهب إلى البدوي -وغيره- في كل عام آلاف الراغبات في الإنجاب، فإذا قُدِّر لإحداهن أن تنجب بعد الذهاب إليه -لأنه جاءها أجل حملها، أو لأنها كانت بالفعل تتناول علاجًا، وقدَّر الله أن يأتي بنتيجته، أو لأنها مع ذهابها للبدوي سألت هي ربها بتضرع، أو لأي سبب-؛ فحينئذٍ لا يَنْسِب سدنةُ البدوي الفضل إلا إليه!

وأما غالب من ذهبن ولم يقدر الله لهن الحمل، فسوف يقال لهن: إن نذرهن لم يكن كافيًا، أو أنهن شككن في الولي، أو أي شيء آخر؛ إلا الإخلال بقاعدةِ "حتمية استجابة الطلبات التي ترفع للبدوي!"، وكيف لا تتم وهو الذي جاء بالأسير بيده من المنصورة وهو في حجرته في طنطا؟!

ولنترك قصص الحمل والولادة، والزواج، والنجاح التي يحملها البسطاء، ويستثمر سدنة تلك المشاهد حاجة هؤلاء فيأخذونهم من طريق دعاء الله وحده إلى دعاء غيره، مسوغين ذلك لهم: بأن هذا توسل قرَّره أهل العلم -لديهم- حتى في صيغ الدعاء الصريح -كمددٍ، ونحوها-! 

لنترك هذه القصص ولنسأل سدنة الطرق الصوفية:

- لقد ظهرت طرقهم مع ظهور الصليبيين وغزوهم لبلادنا؛ فأين كانت كرامات القوم ليصدوا الصليبيين عن بلادنا، ويحطموا سفنهم في الطريق أو حتى يجعلوا النصر حليفنا، أو يحرروا لنا أسرانا؟! بدلًا من إعطاء البدوي وصف أنه جاب لنا الأسرى لكونه -في زعمهم- أتى بشاب أسير لأمه، وادعاء أنه كان يأتي بالأسرى المسلمين الأسرى بعد مماته للاحتفال بمولده وهم في قيودهم (وظاهر القصة أنهم كانوا يرجعون مرة أخرى كأسرى!)، وأنه أنقذ أسيرا آخر بعد وفاته بقريب من ثلاثمائة سنة فأتى به فألقاه على مئذنة مسجد حتى وجده الشعراني!

- إن أهل الحق يثبتون أن الله يبتلينا بما شاء فلا يستشكلون شيئًا من قَدَر الله المكروه، ولكن يراجعون إيمانهم وتوكلهم وتضرعهم، ويراجعون أخذهم بالأسباب، ثم إذا وقع البلاء أو استمر صبروا ورجوا أن يوفيهم الله أجرهم بغير حساب، وبينما يجري ذات القدر على من وقع في براثن المتصوفة، لكنهم يشغبون عليه بكذبهم أن الخلاص حتمي شريطة أن يبالغ في تقديم القرابين لسدنة القبور، وأن يستمر في الابتعاد عن الحق المبين.

ومِن ثَمَّ فمما يساعد هؤلاء المغيبين في الخروج من أسر هؤلاء المبطلين أن نبيِّن للناس: أن الدعاء عبادة، لا نصرفه إلا لله؛ حتى لو كانت دعوى حتمية الوصول للمراد موجودة في صورة لم يأذن بها الله فلا يذهب إليها، كما يمتنع من السرقة والزنا وإن كانت النفس تحصل مقصودها منهما؛ فضلًا أن تكون حتمية الاستجابة أكذوبة. 

ومن أوضح ما يدل على كونها أكذوبة حال الأمة التي لم توظِّف الصوفية طاقتها المكذوبة المدعاة في نصرتها، وكذلك حال الصوفية الدائم التشكي من خصومهم؛ فهم يظهرون أنفسهم دائما أنهم ضحية انتشار الوهابية هذا في العصر الحديث -مع أن هذه الشكوى ليست خاصة بالعصر الحديث، فهم طوال تاريخهم كانوا يشتكون صراحة من الفقهاء كما تقدم في كلام الشيخ محمد عبده-.

في حين أن السلفيين الذين يحلو للصوفية أن يسمونهم بالوهابية ما فتئوا ينهون عن مولد البدوي وغيره، ومع هذا لم يسلب منهم البدوي الإيمان ويردهم للإلحاد كما زعموا أنه فعل (بعد وفاته) مع مَن أنكر الاحتفال بمولده، ولم تصبهم  شوكة سمك في حلوقهم تمنعهم من الكلام كما زعموا أن البدوي فعله مع آخر أنكر على مَن فعل مولده -وَفْق حكايتهم!-.

فتبين بهذا أكذوبة التصرف الصوفي في الكون، وعجزهم عن النفع كما هو ظاهر، وإلا لنفعوا الأمة في أزماتها. وكذلك ثبت عجزهم عن الإضرار إلا بمن يشاء الله وإلا لتخلصوا من خصومهم.

وبذلك نكون قد ناقشنا التوسل المشروع، وفي المقابل التوسل الشائع عند أرباب الطرق المبني على أكاذيب الكرامات الحتمية للأولياء في حياتهم وبعد مماتهم، أو دعوى تفويض الله لهم التصريف في الكون. 

وتبقى لنا الصور المختلف في مشروعيتها، والتي بيَّنَّا أننا نرى أنها من الممنوع، وإن لم تكن على نفس درجة مخالفة غيرها من الصور؛ لعدم فعل الصحابة لها في قصة استسقاء عمر بالعباس مع شدة حاجتهم لكل ما يُرجى به إجابة دعوتهم في ظل القحط، وسوف نتناولها في مقال قادم -بإذن الله-.

والحمد لله رب العالمين.