نصائح وضوابط إصلاحية (82)
كتبه/ سامح بسيوني
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
توجيهات ربانية عامة للمصلحين في التعامل السلوكي المجتمعي:
إن المتأمل في حال النبي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- حين أُمِر بإبلاغ رسالته وإنذار قومه، يجد أنه قد خُوطِب بعدة توجيهات ربانية إيمانية سلوكية عامة، لازمة في تعامله مع المجتمع؛ وذلك لضمان نجاحه في القيام بمهمته الإصلاحية القائمة على الإنذار والبلاغ؛ فقد قال الله -عز وجل- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، ولكل مصلح مِن بعده يسير على دربه في بيان واضح جلي: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ . وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (المدثر: 1-7)، كتوجيهات ربانية لازمة، وعدة إيمانية حقيقية، وزاد سلوكي نافع لمن ارتضى لنفسه حمل هذه الأمانة الثقيلة -مهمة الإصلاح-؛ لإنقاذ المجتمع حوله من التمرد والغرق في عبودية الشهوات وفتن الشبهات، والعمل على نجاتهم بالطاعة والهدى والانقياد والعبودية لله -عز وجل-.
فكان التوجيه الأول: (قُمْ فَأَنْذِرْ):
أي: قُمِ بجد ونشاط؛ فَأَنْذِرْ الناس بالأقوال والأفعال، وبكل الممكن والمتاح الذي يحصل به المقصود، ابحث لك عن دور إيجابي؛ فلا تترك سبيلًا ولا وسيلة شرعية إلا وسلكتها؛ لأن الخطب عظيم والمسئولية كبيرة، فلا مجال للتقاعس ولا للتدثر بشهوات الدنيا والتلهي بها، ولا مجال لأن يكون أحدنا في موقف المتفرج الناقد فقط، بل يجب أن يكون الجميع عاملًا أساسيًّا في المجتمع؛ له دور إيجابي وواضح في حمل الأمانة بسلوك عملي حركي نافع للمجتمع، فالكل مفتقِر إلى ربه، محتاج إلى رحمته ورضاه -مهما علا قدره وعظمت مكانته في المجتمع-؛ فهذا أشرف الخلق -صلى الله عليه وسلم- يعلنها في وجه أسيد بن حضير حينما أراد أن يحمل عنه الحجر، وهو يساهم بنفسه في بناء المسجد بعد أن علته غبرة، فقال له: "اذهب فاحتمل غيره؛ فإنك لستَ بأفقر إلى الله مني" (ينظر: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد).
ثم كان التوجيه الثاني (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ):
أي: وربك فعظِّم، واجعل قصدك في إنذارك والسعي في إصلاحك وجهه فقط؛ فكل أحد، وكل شيء، وكل قيمة، وكل حقيقة صغيرة، والله وحده هو الكبير.
فبهذا التصور، وبهذا الشعور، يستصغر المصلح كل كيد، وكل قوة، وكل عقبة، ويستشعر أن الله -عز وجل- الذي دعاه لحمل هذه الأمانة والقيام بهذه النذارة، هو الكبير، فتهون مشاق المهمة وأهوالها، وتثبت الأفئدة ولا تسعى إلا لرضا ربها مهما قيل عنها من الناس من حولها، أو قوبل جهد المصلح منهم بقبول أو برفض؛ فرضا الناس غاية لا تدرك، فلا يجب أن يعول عليه المصلح في استمرار حمله للأمانة وتبليغها إليهم؛ فـ(إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ) (رواه مسلم)، فرب معاند اليوم مستجيب الغد.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.