الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 16 فبراير 2026 - 28 شعبان 1447هـ

الطائر الداعية! (هدهد سليمان.. حين تكلَّم الإيمان على جناحين)

كتبه/ محمد صادق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فليس كل داعيةٍ إنسانًا، وليس كل خطابٍ وعظًا على منبر، ففي سورة النمل يضعنا القرآن أمام مشهدٍ مدهش: طائر صغير، بلا قوةٍ ولا سلطان، يتحوّل إلى حامل رسالة، وصاحب بصيرة، وداعية إلى التوحيد.

إنه الهدهد الطائر الذي علَّم البشرية درسًا خالدًا في معنى الدعوة، والوعي، والشجاعة، وفقه الواقع.

أولًا: غيابٌ له معنى… لا تمرُّد:

(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ) (النمل: 20)، لم يكن غياب الهدهد هروبًا ولا كسلًا، بل كان غيابًا من أجل رسالة.

الهدهد لم يستأذن، لكنه عاد بحُجّة.

وهنا درسٌ عميق:

ليس كل خروجٍ عن المألوف انحرافًا، ولا كل التزامٍ شكليّ طاعةً.

الدعوة أحيانًا تحتاج مبادرة، لكنها لا تُغفِل المحاسبة.

ثانيًا: جرأة الخطاب أمام السلطان:

(أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ): تأمّل الجرأة.. طائر يخاطب نبيًّا ملكًا بهذه الصراحة!

لكنها ليست جرأة الوقاحة، بل جرأة المعرفة.

الهدهد لم يقل: أنا أفضل منك، بل قال: عندي علم لم يصلك بعد.

وهنا يُرسِّخ القرآن قاعدة ذهبية: العلم مسؤولية، لا ترفًا.

ومن عرف الحق وسكت، خان الأمانة.

ثالثًا: فقه الواقع قبل الخطاب:

(إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ…): الهدهد لم يبدأ بتكفير، ولم يصرخ: كفار مشركون!

بل وصف الواقع بدقة:

- نظام سياسي.

- ملكة ذات عرش.

- قوة دنيوية.

- خلل عقدي: (يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ).

هذا هو فقه الواقع: أن تفهم قبل أن تحكم، وتصف قبل أن تُدان.

رابعًا: غيرة التوحيد:

(أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ): الهدهد لم يحتمل المشهد.

لم يستطع أن يرى السجود لغير الله ويمرّ صامتًا.

إنها غيرة عقدية صافية، لم تفسدها الأهواء، ولم تُلوِّثها المصالح.

الدعوة تبدأ من: قلبٍ يتألّم إذا انتُهك التوحيد.

خامسًا: الحكمة في نقل الدعوة:

الهدهد لم يدعُ بنفسه، بل عاد إلى نبيٍّ قائد.

فالدعوة ليست استعراض بطولة، بل عمل مؤسسي حكيم.

الهدهد عرف حجمه، وعرف موضعه، فكان حلقة وصل… لا بطلًا وهميًّا.

سادسًا: قبول المراجعة:

(سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) حتى الهدهد…يُراجع، ويُمحَّص، ويُسأل.

وفي هذا: كبح للغرور الدعوي.

تصحيح لمسار الحماسة.

حماية للدعوة من الوهم.

رسائل إلى دعاة اليوم:

- الدعوة ليست منصبًا… بل أمانة.

- الصغر لا يمنع التأثير.

- فقه الواقع نصف الدعوة.

- الغيرة بلا علم فتنة.

- والعلم بلا غيرة خيانة.

خاتمة مؤثرة:

الهدهد لم يملك منبرًا، ولا صوتًا جهوريًّا، ولا أتباعًا.. لكنه مَلَك: قلبًا حيًّا، وعينًا واعية، ولسان صدق، فحفظه الله في كتابه، وجعل قصته منهجًا للدعاة إلى قيام الساعة.

ليست الدعوة وقتًا يُعطى، بل مقامًا يُرتقى به.

سؤال للتأمل:

لو كنتَ مكان الهدهد.. هل كنتَ ستصمت؟ أم تعود برسالة؟