الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 08 فبراير 2026 - 20 شعبان 1447هـ

المأسور من أسره هواه (2)

كتبه/ رجب صابر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق أنواعًا من السجن أو الحبس أو الأسر هي أشد وأخطر من غيرها، ومع خطورتها لا يتفطن إليها كثيرٌ من الناس، وذلك بالتعليق على عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية -¬-: "المحبوس مَن حُبِس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور مَن أَسَره هواه". وأعظم الخلق حبسًا هم الكفار والمشركون والمنافقون، ومن أنواع الحبس والأسر أسْر البدعة.

ثم هناك نوع آخر من المحبوسة قلوبهم، وهم أهل الغفلة والشهوة والمعصية من المسلمين؛ قال ابن القيم رحمه الله في ذكر عقوبات الذنوب والمعاصي: "ومن عقوباتها: أن العاصي دائمًا في أسر شيطانه وسجن شهواته وقيود هواه؛ فهو أسير مسجون مقيد، ولا أسير أسوأ حالًا من أسير أسره أعدى عدو له، ولا سجن أضيق من سجن الهوى، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة؛ فكيف يسير إلى الله والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ وكيف يخطو خطوة واحدة؟ وإذا تقيد القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده" (الداء والدواء).

فصاحب المعصية في ساعات سكرته بمعصيته، قلبه مثل المسجون الذي يلقى في السجن، فيصبح أسيرًا بسبب معصيته، ويصير مقيَّدًا بسبب شهوة تعلق بها، فيتحرك بدنه، لكنه في الحقيقة مأسور للهوى، فإن ترك المعصية وتاب إلى الله أذن -سبحانه- بإطلاق سراح القلب من هذا السجن.

وكل واحد تأنف نفسه من السجن والأسر ويحذر أن يقع في سجون الدنيا أو أن يصير أسيرًا يومًا من الأيام، وكل مسلم يتألم لحال أسرى المسلمين في كل مكان، ومع ذلك فكثير منا لا ينتبه إلى أسرى ومحبوسين أكثر عددًا، إنهم من حبست قلوبهم عن الله أو وقعوا في أسر الهوى، فهل نشعر بهؤلاء المأسورين على اختلاف أنواعهم؟!

وما بالنا تنالنا الشفقة على أهل الحبس والأسر في السجون المادية في الدنيا ولا تتألم قلوبنا على أعداد أكبر ممن سراحهم مطلق في هذه الدنيا الواسعة، لكن يتحركون بقلوب محبوسة ويسعون وهم مأسورون لأهوائهم، وإذا تعاطفنا مع عدد من المسلمين قد حبسوا خلف الأسوار وأغلقت عليهم الأبواب فما بالنا لا نتعاطف مع أعداد أكثر من المحبوسة قلوبهم عن الله والمأسورين للهوى.

فلا بد أن نسعى للوقاية من الوقوع في هذه الأنواع من الحبس والأسر، ونخاف على غيرنا أن يناله هذا البلاء، ونعمل على إخراج المحبوسة قلوبهم عن الله من حبسهم، ونجتهد في فك أسر المأسورين للهوى من هذا الأسر.

وإذا كان بعض الصالحين قال: "يا عجبًا من الناس! يبكون على من مات جسده ولا يبكون على من مات قلبه، وهو أشد!"؛ فحري بنا أن نقول: يا عجبًا من الناس -إلا من رحم الله- يتأثرون على مَن حُبِس بدنه، ولا يتأثرون على من حُبِس قلبُه وهو أشد!

وللحديث بقية -إن شاء الله-.