الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 19 يناير 2026 - 30 رجب 1447هـ

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (246) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (29)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).

تكملة الفائدة التاسعة في فضل الطواف واستلام الحجر والركن اليماني وما جاء في فضلهما:

عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مسند ظهره إلى الكعبة يقول: (الرُّكْنُ وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ، لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ طَمَسَ نُورَهُمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) (رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه، والحاكم من طريقه وصححه الألباني).

وفي رواية للبيهقي قال: (إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، ولَوْلَا مَا مَسَّهُ مِنْ خَطَايَا بَنِي آدَمَ لَأَضَاءَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَمَا مَسَّهُمَا مِنْ ذِي عَاهَةٍ وَلَا سَقِيمٍ إِلَّا شُفِيَ) (قال الألباني: "حسن صحيح").

وفي أخرى له عنه أيضًا رفعه قال: (لَوْلَا مَا مَسَّهُ مِنْ أَنْجَاسِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إِلَّا شُفِيَ، وَمَا عَلَى الْأَرْضِ شَيْءٌ مِنَ الْجَنَّةِ غَيْرُهُ) (أيضًا صححه الشيخ الألباني).

الفائدة العاشرة:

دلَّ قوله -سبحانه وتعالى-: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) على فضل الصلاة في المسجد الحرام قيامًا وركوعًا وسجودًا، وأنه مطهر ومبني على التوحيد لأجل إقامة الصلاة فيه. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الصلاة في المسجد الحرام مع فضل مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسجد الأقصى بعده في الرتبة.

عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (رواه مسلم والنسائي وابن ماجه).

وعن عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا) (رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه، وزاد: يعني في المسجد النبوي).

ورواه البزار بإسناد صحيح بلفظ: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِنَّهُ يَزِيدُ عَلَيْهِ مِائَةَ صَلَاةٍ). وعن جابر -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ) (رواه أحمد وابن ماجه بإسنادين صحيحين).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (رواه البخاري واللفظ له والترمذي والنسائي وابن ماجه).

روى البزار عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَسْجِدِي خَاتَمُ مَسَاجِدِ الْأَنْبِيَاءِ، أَحَقُّ الْمَسَاجِدِ أَنْ تُزَارَ وَتُشَدَّ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدِي، وَصَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ).

وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ فأخذ كفًّا من حصى فضرب به الأرض ثم قال: (هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا، مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ) (رواه مسلم والترمذي والنسائي).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (رواه مسلم في صحيحه).

وفي رواية لمسلم: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ)، وهذا الحديث يدل على أن المقصود بالسفر والذي ثبت فيه الفضل بمائة ألف صلاة فيما سواه هو موضع الصلاة من المسجد الحرام، وليس الحرم كله، فإن الأرض الحرام لها فضيلة ثابتة في حرمة تنفير صيدها وحرمة القتال فيها، وحرمة نزع الشجر والشوك، وغير ذلك من أحكام الأرض الحرام؛ إلا أن الصلاة التي يسافر من أجلها إنما تكون في موضع الصلاة.

وقد صرَّح النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن السفر لا يكون إلا إلى مسجد الكعبة، وليست كل مكة يسافر إليها كلها بهذا الاعتبار، ويتحقق فيها نذر مَن قصد السفر إلى المسجد الحرام بأن يصلى مثلًا في بعض مساجدها غير المسجد الحرام مسجد الكعبة، بل لا بد لمن نذر أن يسافر إلى المسجد الحرام أن يسافر، وأن يصل ويصلي في مسجد الكعبة، وهو المبني حول الكعبة.

والذي لا نشك فيه: أن جميع المسجد بساحاته المختلفة داخل في هذا الحديث، وإذا وجدت ساحات مسورة أو محاطة بسياج، أو نحوه؛ فهي كذلك في حكم المسجد عند جمهور العلماء: كالساحات التي حول مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-. وأما الأماكن والشوارع المحيطة بالمسجد التي يكثر أن يصلى الناس فيها دون الصلاة في المسجد؛ فلها فضيلة الصلاة في الأرض الحرام، وليس فضيلة الصلاة في المسجد الحرام، فإن الصلاة في المسجد الحرام التي هي بمائة ألف صلاة إنما هي في مسجد الكعبة المسجد الذي حول الكعبة.

ولا يجوز تلويث المسجد الحرام ببول أو غائط أو نخامة، أو نحو ذلك من القاذورات، ومعلوم أنها خلا موضع المساجد فيها يجوز قضاء الحاجة فيها، وغير ذلك من مقاصد الحياة، والبيع والشراء الذي يحرم في المسجد، وإنما يكون ذلك داخل حدود المسجد. والله أعلم.

فلا تتهاون أخي المسلم أن تصلي داخل المسجد الحرام المبني حول الكعبة، ولا تتساهل في تضييع الثواب، وإن كنا لا نُنكر أن الصلاة في الأرض الحرام لها ثواب؛ لما ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في غزوة الحديبية مُضْطَرِب في الحِل، فكان إذا جاء وقت الصلاة دخل إلى الحرم فصلى فيه؛ فدلَّ ذلك على فضيلة الصلاة في الأرض الحرام، وإن لم يكن ذلك مثل فضيلة الصلاة في المسجد الحرام الذي حول الكعبة الذي تُضَاعف فيه الصلاة بمائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد. والله أعلى وأعلم.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.