الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 30 مارس 2025 - 1 شوال 1446هـ

تهنئةُ "الدعوةِ السلفيةِ بمصر" الأمةَ الإسلاميةَ والشعبَ المصريَّ بعيدِ الفطرِ المباركِ

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، أما بعدُ؛

فتتقدَّمُ "الدعوةُ السلفيةُ" بخالصِ التهاني للأمةِ الإسلاميةِ عامةً والشعبِ المصريِّ خاصةً، بحلولِ عيدِ الفطرِ المباركِ؛ تقبَّلَ اللهُ منا ومنكم صالحَ العملِ، وأعادَهُ علينا وعليكم بالخيرِ واليُمنِ والبركاتِ.

كانَ رمضانُ خيرَ مُعِينٍ على طاعةِ اللهِ -سبحانه وتعالى-:

- يأتي عيدُ الفطرِ بعدَ أن مَنَّ اللهُ علينا بأن بلَّغَنا شهرَ رمضانَ؛ شهرَ الطاعةِ والإقبالِ على اللهِ -سبحانه وتعالى-؛ حيثُ أقبلَ المسلمونَ على الطاعةِ في الشهرِ المباركِ، فصاموا النهارَ، وقاموا الليلَ، وأنفقوا من أموالِهم، ووصلوا أرحامَهم، وتعلَّقوا بكتابِ ربِّهم، يتلونه آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ.

- أقبلَ المسلمونَ على صيامِ رمضانَ، وما إن بدأَ حتى مرَّ مرورًا سريعًا، فلا تكادُ تشعرُ به؛ فقد قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (‌لَا ‌تَقُومُ ‌السَّاعَةُ ‌حَتَّى ‌يَتَقَارَبَ ‌الزَّمَانُ، فَتَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونُ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرَمَةِ بِالنَّارِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

- مرَّ رمضانُ سريعًا ليدركَ المسلمُ أن عُمُرَهُ سيمرُّ أنفاسًا معدودةً، وأيامًا معدوداتٍ تُوشكُ أن تنقضيَ سريعًا كما انقضى رمضانُ سريعًا، كما أن السعيدَ في رمضانَ من عمَّرَهُ بالطاعةِ؛ فالسعيدُ في حياتِه هو من عمرَها بالطاعةِ، وبالقُربِ من اللهِ -سبحانه وتعالى-؛ فإنَّ بقلوبِ العباد فاقةً لا يسدُّها إلا القربُ من اللهِ ومعرفته، والتعبُّدُ له بأسمائِه وصفاتِه، وطاعتُه فيما أمرَ، والابتعادُ عما نهى عنه وزجرَ.

فقد امتلأتْ المساجدُ بالمصلِّينَ، وحُقَّ لها أن تمتلئَ:

فقد قالَ -صلى الله عليه وسلم-: (الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وَتَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ كَانَ الْمَسجِدُ بَيْتَهُ، بِالرَّوْحِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ، ‌إِلَى ‌رِضْوَانِ ‌اللهِ ‌إِلَى ‌الْجَنَّةِ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني)، بل تعلُّقُ قَلبِ المسلمِ بالمساجدِ من أسبابِ ظلِّ اللهِ له يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه، فعن أبي هريرةَ -رضي الله عنه-: أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: (سَبْعَةٌ ‌يُظِلُّهُمُ ‌اللهُ ‌يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ ‌فِي ‌ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ فِي خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا قَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ) (متفق عليه).

- فالصلاةُ أهمُّ أركانِ الدِّينِ بعدَ الشهادتينِ، وهي تنهى عن الفحشاءِ: قال الله -تعالى-: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت: 45). وهي العبادةُ التي لا يوجدُ عذرٌ لتركِها، بل تُصلَّى على كلِّ حالٍ، حتى في حالةِ الحربِ والسيوفُ مُشهرةٌ على الرقابِ، والصلاةُ راحةُ المسلمِ وملجأه حينَ الفزعِ، فيها يناجي ربَّه، وفيها يضعُ عن كاهِلِه الهمومَ، وفيها تنزلُ الرحماتُ على العبدِ، وفيها يسجدُ ويقتربُ، يقتربُ من ربِّه ومن جنةِ ربِّه -سبحانه وتعالى-.

- وقد بادرتْ الكثيراتُ من نساءِ المسلمينَ بالتزامِ الحجابِ، وتغطيةِ مفاتنِها التي أمرَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- بتغطيتِها، وهي تدركُ: أنَّ اللهَ -سبحانه وتعالى- قد فرضَ عليها الحجابَ كما فرضَهُ على أمهاتِ المؤمنينَ؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الأحزاب: 59).

- وتدركُ: أنَّ صفاتَ الحجابِ الشرعيِّ أنه لا يصفُ ولا يشفُّ، ولا يُلفتُ إليها النظرَ.

- وتدركُ أيضًا: أنَّ الحجابَ ليس حريةً شخصيةً، بل هو فرضٌ من اللهِ -سبحانه وتعالى-، ولكي تُعرفَ بالعفافِ فلا يَتطاولُ عليها السفهاءُ، وهو في نفسِ الوقتِ فرضٌ من اللهِ حفاظًا على المجتمعِ من أن تنتشرَ فيه الفواحشُ، فكلُّ الفواحشِ مبدأُها من النظرِ، ومُعظمُ النارِ من مستصغرِ الشررِ.

- وسارعَ المسلمونَ إلى الإنفاقِ من أموالِهم؛ رغمَ الفاقةِ التي تمرُّ بها شرائحُ واسعةٌ من المجتمعِ، ولكن أنفقَ الناسُ حسبَ طاقاتِهم، وتفقَّدوا جيرانَهم وأقرباءَهم، فهم أولى بالصدقةِ، والصدقةُ عليهم قُرْبةٌ، وصلةٌ للأرحامِ التي أمرَ اللهُ بها، وجعلَ ثوابَها طولَ العمرِ، وسعةَ الرزقِ؛ فعن أنسٍ -رضي الله عنه- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- (‌مَنْ ‌أَحَبَّ ‌أَنْ ‌يُبْسَطَ ‌لَهُ ‌فِي ‌رِزْقِهِ ‌وَيُنْسَأَ ‌لَهُ ‌فِي ‌أَثَرِهِ، ‌فَلْيَصِلْ ‌رَحِمَهُ) (متفق عليه)

وتعلَّقَ المسلمونَ بكتابِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-:

فصرتَ ترى هذا المشهدَ المبهجَ في وسائلِ المواصلاتِ والأسواقِ من مسلمينَ أمسكوا بمصاحفِهم أو هواتفِهم، وهم حريصونَ على قراءةِ وردِهم من القرآنِ، فالقرآنُ يجلو صدأَ القلوبِ ويطهِّرُها ويزكِّيها، قالَ عثمانُ بنُ عفَّانَ -رضي الله عنه-: "لو طهُرت قلوبُكم ما شبعتْ من كلامِ ربِّكم".

والقرآنُ يهدي للرشدِ:

قال الله -تعالى-: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ) (الجن: 1، 2)، وهو أحسنُ الحديثِ؛ كما قالَ اللهُ -سبحانه وتعالى-: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر: 23)

وأحيا المسلمونَ الليلَ بالقيامِ:

- فقد عَلموا أنَّ شرفَ المؤمنِ في قيامِه بالليلِ، وعلموا أن اللهَ -سبحانه وتعالى- يتنزَّلُ في كلِّ ليلةٍ في الثُّلُثِ الأخيرِ من الليلِ نزولًا يليقُ بجلاله، ويسألُ عباده عن المستغفرينَ والسائلينَ فيستجيبُ لهم؛ ففي الصحيحِ عن أبي هريرةَ -رضي الله عنه- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (ينْزِلُ رَبُّنَا -تبارك وتعالى- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟) (متفق عليه). وقيامُ الليلِ جنةُ العابدينَ التي أتعبَتْهم قليلًا، وجاهدوا فيها أنفسَهم حتى تعوَّدوا عليها، ثم تمتَّعوا بها كثيرًا.

وكانَ -صلى الله عليه وسلم- عمله دِيمةً:

ففي البخاريِّ ومسلمٍ عن عائشةَ -رضي الله عنها- قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ)، فكانَ -صلى الله عليه وسلم- إذا قامَ بطاعةٍ من الطاعاتِ حافظَ عليها، وهو إمامُ المهتدينَ وقدوةُ الصالحينَ، وهو الذي قالَ: (صَلُّوا ‌كَمَا ‌رَأَيْتُمُونِي ‌أُصَلِّي) (رواه البخاري)، وقالَ: (لِتَأْخُذُوا ‌مَنَاسِكَكُمْ) (رواه مسلم)، وقالَ: (مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا ‌وَعَضُّوا ‌عَلَيْهَا ‌بِالنَّوَاجِذِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

فيا مَن بدأت الطاعةَ في رمضانَ لا تنقطعْ، واستعذْ بربِّك من الحورِ بعدَ الكورِ، ومن البعدِ بعدَ القربِ، ومن المعصيةِ بعدَ الطاعةِ.

وكانَ رمضانُ خيرَ معينٍ على تركِ المعاصي:

- فمن حِكَمِ فرضِ الصومِ: تحصيلُ المسلمِ فضيلةَ التقوى، وأن يجعلَ بينه وبينَ غضبِ اللهِ وقايةً، فيأتي ما أُمرَ به، ويتركُ ما نُهيَ عنه من غضِّ البصرِ وحفظِ الفرجِ وتركِ الفواحشِ ما ظهرَ منها وما بطنَ، وتركِ أكلِ الربا، فإنه من كبائرِ الذنوبِ، وإنه استدعاءٌ لحربِ اللهِ -جلَّ في علاه-، ومَن يقدرُ على حربِ اللهِ -سبحانه وتعالى-؟! وتركِ الظلمِ وأكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ، وتركِ ‌الرُّشَى، والفسادِ الذي استشرى في كثيرٍ من المؤسساتِ، وصارَ من أسبابِ العنتِ التي تعاني منها بلادُنا، وتركِ إيذاءِ الناسِ بالقولِ أو الفعلِ، فـ(‌الْمُسْلِمُ ‌مَنْ ‌سَلِمَ ‌الْمُسْلِمُونَ ‌مِنْ ‌لِسَانِهِ ‌وَيَدِهِ) (متفق عليه)

- ولكن يأبى البعضُ إلا أن يخرجَ علينا وهو يرتدي ثوبَ زورٍ كَتَبَ عليه: "سماحةَ الإسلام!"؛ فيبيحُ المحرَّماتِ وهو يريدُ أن يظهرَ وسطيةَ الإسلامِ، فينحرفُ نحوَ التطرُّفِ ويدفعُ المجتمعَ نحوَ الموبقاتِ والمحرَّماتِ، فيبيحُ للممثِّلِ أن يقدمَ على المعاصي تحتَ ذريعةِ أنه تمثيلٌ وليسَ حقيقةً! وهذا من التلبيسِ العظيمِ على الناسِ، والنصوصُ التي تضبطُ العلاقةَ بين الرجلِ والمرأةِ أصبحَ يعلمُها القاصي والداني؛ فقد أمرَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- بغضِّ البصرِ وحفظِ الفرجِ، وحذَّرَ من الخلطةِ الماجنةِ، بل وأمرَ المرأةَ ألا تخضعَ بالقولِ، وفرضَ عليها الحجابَ، وحرَّمَ مصافحةَ المرأةِ الأجنبيةِ؛ فعن معقلِ بنِ يسارٍ -رضي الله عنه- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ ‌بِمِخْيَطٍ ‌مِنْ ‌حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ ‌يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ) (رواه الطبراني، وصحَّحه الألباني)؛ كلُّ ذلكَ صيانةً للمجتمعِ من أن تنتشرَ فيه الفواحشِ.

وألزمَ -عزَّ وجلَّ- كلَّ مسؤولٍ بمسؤوليَّته: فعن ابنِ عمرَ -رضي الله عنهما- قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: (‌كُلُّكُمْ ‌رَاعٍ، ‌وَكُلُّكُمْ ‌مَسْؤُولٌ ‌عَنْ ‌رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (متَّفق عليه)

بل إن التمثيلَ صارَ من البلاءِ الذي حلَّ بالأمةِ: فقد صارَ وسيلةً لنشرِ البذاءةِ والفحشِ، وإبرازِ المنكراتِ حتى يعتادَها الناسُ، وأصبحَ من الفجاجةِ؛ مما جعلَ كثيرًا من داعميه في السابقِ -من الإعلاميينَ والمروِّجينَ له- يضجرونَ مما يُطلقُ عليه: "الدراما الرمضانية!"، والتي أصبحت تنشرُ الموبقاتِ تحتَ لافتةِ: "نقلِ الواقعِ!"؛ فشوَّهتْ صورةَ المجتمَعِ المصريِّ عند الأممِ، وأبرزتْ المصريَّ في صورةِ البلطجيِّ أو المتحرِّرِ من دينهِ بذيءِ اللسانِ، ونقلتْ صورةً مغلوطةً عن مجتمعِنا، فحُقَّ على أصحابِ المسؤوليةِ أن يأخذوا على يدِ هؤلاءِ السفهاءِ، وأن يمنعوهم من إفسادِ المجتمعِ.

والطاعةُ من أسبابِ النصرِ: 

- قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) (محمد: 7). وقالَ أبو الدرداءِ: "إنما تقاتلونَ بأعمالِكم"؛ فما أحوجنا أن نداومَ على طاعةِ ربِّنا -سبحانه وتعالى-، ونحن نرى تسلُّطَ الأعداءِ على رقابِ المسلمينَ قتلًا وقصفًا، وحصارًا وتجويعًا.

فها هي فلسطينُ لم تزل تتعرَّضُ لأبشعِ أنواعِ الظلمِ في العصرِ الحديثِ على يدِ حفنةٍ من لُقطاءِ الأرضِ:

بعدَ أن احتلُّوا أرضَهم، وطردوهم وهجَّروهم من مساحاتٍ شاسعةٍ منها، وحاصروهم في أماكنَ ضيِّقةٍ -مثلَ غزة-؛ ها هم يحاولونَ أن يخرجوهم من غزةٍ أيضًا بعدَ أن دمَّروا مبانيها كلَّها وبِنيتها التحتيةَ كلَّها، ولم يتركوا فيها شيئًا من مقوِّماتِ الحياةِ بعدَ أن قتلوا خمسينَ ألفَ غزَّاويٍّ بينَ امرأةٍ وطفلٍ وشيخٍ، عامَّتَهم من المدنيِّينَ، غيرَ مَن بقي تحتَ الأنقاضِ لا يعلمُ عددَهم إلا اللهُ -سبحانه وتعالى-، وسطَ ترحيبٍ غربيٍّ آثمٍ، وإمدادٍ متدفِّقٍ من السلاحِ للكَيانِ الصُهيونيِّ ليكملَ أبشعَ جرائمِ الإبادةِ التي تُنقلُ للعالمِ بالصوتِ والصورةِ! وإنا للهِ وإنا إليهِ راجعونَ.

يتمُّ كلُّ ذلكَ تحتَ حمايةِ الأسطولِ الأمريكيِّ، والذي سارعَ الأمريكانُ وبعضُ الدِولِ الأوربيةِ بإرسالِ أساطيلِها تهديدًا لكلِّ دِولةٍ تفكِّرُ في مدِّ يدِ العونِ للمظلومينَ في غزة، بل لا تزالُ تمارسُ أمريكا أنواعًا هائلةً من الضغوطِ على مصرَ والأردنِ كي يقبلا تهجيرَ الفَلسطينيينَ إليهما مقابلَ إغراءاتٍ ملياريةٍ؛ وإلا فسيفُ العقوباتِ الاقتصاديةِ مُشهرٌ فوقَ الرقابِ.

ونحن نَهيبُ بالدولِ العربيةِ الإسلاميةِ -في ظلِّ صمتِ المنظَّماتِ الدَوليةِ التي لم تحرِّكْ ساكنًا تجاهَ ما يحدثُ في فلسطين-:

نَهيبُ بدِولِنا العربيةِ أوَّلًا أن يعودوا لمصدرِ عزَّتهم ووحدتهم، وأن يعتصموا بحبلِ اللهِ -سبحانه وتعالى-، ويدركوا ما مَنَّ اللهُ عليهم به من نعمةِ الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ، وأن ينصروا دينَ اللهِ في بلادهم فينصرهم اللهُ على أعدائهم، ويدركوا أن المسلمينَ لا طريقَ للنصرِ لهم إلا بمراجعةِ دينهم، والعودةِ إلى كتابِ اللهِ وسنَّةِ نبيِّه -صلى الله عليه وسلم-، وأن التشبُّهَ والاقتداءَ بالكفَّارِ والمسارعةَ في الولاءِ لأعداءِ الأمةِ عاقبته الندمُ؛ قالَ اللهُ -تعالى-: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة: 52)

- ونهيبُ بدِولِنا العربيةِ والإسلاميةِ أن تأخذَ بأسبابِ الدفاعِ عن المستضعفينَ في غزة، فيُجمعوا على كلمةٍ سواءٍ، وأن يستخدموا ما وهبَ اللهُ لهم من أسبابِ القوةِ لردعِ آلةِ القتلِ الإسرائيليةِ ومَن يقفُ خلفها مِن الدِولِ الغربيةِ التي تتغنَّى بحقوقِ الإنسانِ؛ فقطَ حينما تريدُ أن تبتزَّ الدِولَ الإسلاميةَ والناميةَ، فالمسلمُ أخو المسلمِ لا يُسلمهُ ولا يَظلمهُ، وعن النُعمانِ بنِ بشيرٍ -رضي الله عنهما- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (‌مَثَلُ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌فِي ‌تَوَادِّهِمْ ‌وَتَرَاحُمِهِمْ ‌وَتَعَاطُفِهِمْ ‌مَثَلُ ‌الْجَسَدِ، ‌إِذَا ‌اشْتَكَى ‌مِنْهُ ‌عُضْوٌ ‌تَدَاعَى ‌لَهُ ‌سَائِرُ ‌الْجَسَدِ ‌بِالسَّهَرِ ‌وَالْحُمَّى) (رواه مسلم)

- ونستبشرُ بانحسارِ الدورِ الإيرانيِّ، وانقطاعِ أذرعِها بالمنطقةِ بتقديرِ اللهِ -سبحانه وتعالى-؛ فقد عاثتْ إيرانُ على مدارِ العقودِ السابقةِ في المنطقةِ فسادًا؛ فقتلتْ وشرَّدتْ مئاتَ الآلافِ من العربِ السنَّةِ، واحتلَّتْ عواصمَهم بمباركةٍ أمريكيةٍ؛ حتى تكونَ فزاعةً لدِولِ المنطقةِ لتطلبَ الحمايةَ الأمريكيةَ وتُسَلمَ ثرواتِها لأمريكا، ثم تغيَّرتْ المعادلةُ بعدَ أن أدَّتْ إيرانُ ما عليها من إضعافِ الدولِ العربيةِ، وتفتيتِ عددٍ منها وتسريحِ جيوشِها، لتكونَ المعادلةُ الجديدةُ هي تقطيعُ الأذرعِ الإيرانيةِ مقابلَ أن تتوجَّهَ الدولُ العربيةُ نحوَ التطبيعِ مع الكيانِ الصهيونيِّ وتصفيةِ القضيةِ الفلسطينيةِ.

وعلى الدِولِ العربيةِ أن تستوعبَ: أن أمريكا لا تعملُ سوى لمصلحتِها ومصلحةِ الدَولةِ اللقيطةِ، وأنه لا حمايةً حقيقيةً لمصالحِ ومقدراتِ دِولِنا العربيةِ سوى في العودةِ إلى اللهِ -سبحانه وتعالى-، والعملِ على وحدةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ حقيقيةٍ تحمي القيمَ والأخلاقَ، وتدافعُ عن مصالحِ دولِنا، وعن المستضعفينَ في كلِّ مكانٍ.

- وانحسارُ الدورِ الإيرانيِّ فرصةٌ لبعضِ الفصائلِ الإسلاميةِ التي لا تزالُ تمدحُ الدورَ الإيرانيَّ في دعمِها، وهي لا تدركُ أن إيرانَ إنما تستخدمُها سُلَّمًا لتحقيقِ مصالحِها، وأنها تخلَّتْ عنها في أوَّلِ اختبارٍ حقيقيٍّ لإيرانَ في دعمِ القضيةِ الفلسطينيةِ، وأن الأَولى بتلكَ الفصائلِ أن تتقرَّبَ من الدِولِ العربيةِ، وأن تتقرَّبَ الدِولُ العربيةُ منها، وإنك لتعجبُ من تيَّاراتٍ تُضَخِّمُ الدورَ الإيرانيَّ المتواريَ في فلسطينِ، وتبالغُ في الثناءِ عليها وعلى صواريخِ الحوثيِّ الطائشةِ، وتكيلُ لها المدحَ! ثم هي هي نفسُ الأصواتِ التي تتَّهمُ الدورَ المصريَّ بالخيانةِ والعَمالةِ، وتستغلُّ مصائبَ الفلسطينيينَ في تشويهِ الدورِ المصريِّ، ونشرِ الشائعاتِ التي لا تتوقفُ!

- ونستبشرُ بما حقَّقَه الجيشُ السودانيُّ في السودانِ من طردِ مليشياتِ الدعمِ السريعِ من الخُرطومِ، آملينَ من اللهِ -عزَّ وجلَّ- أن يتمَّ على إخوتِنا في السودانِ نعمةَ الأمنِ في بلادِهم، ونعمةَ الوحدةِ والأخوةِ، وأن يعصمَ دماءَهم وأعراضَهم وأموالَهم.

كما نثَمِّنُ ونقدِّرُ الدورَ المصريَّ في تعاملهِ مع همومِ إخوانهِ في المنطقةِ:

فقد كانَ لمصرَ الدورُ البارزُ في دعمِ إخوتِنا في دِولِنا العربيةِ التي ضربتها الفوضى، ففتحتْ مصرُ ذراعيها لإخوتِها، فاستوعبتهم في بيوتها ومستشفياتها ومدارسها، وأسمتهم "ضيوفًا"، وعاملتهم كما تعاملُ شعبَها -بل ربما أفضلَ-، واستقبلَ الشعبُ المصريُّ الراقي إخوانه بالترحابِ، وأبدى أرقى صورِ إكرامِ الضيفِ بالكلامِ والفعلِ، ولم نسمعْ عن عصبيةٍ أو نعراتٍ ترفضُ الغرباءَ، بل سمعنا عن صورٍ من تطبيقِ حقوقِ الأخوةِ الإيمانيةِ وتقديمِ يدِ الدعمِ والمساعدةِ.

والطاعاتُ من أسبابِ الفرحِ:

- فالمتأمِّلُ لعيدِ الفطرِ والأضحى يجدُ أنَّ تلكَ الأعيادَ تأتي بعدَ أن تُقبِلَ الأمةُ على ربِّها في مجموعِها، فبعدَ مواسمِ الطاعاتِ كرمضانَ والحجِّ يأتي عيدُ الفطرِ وعيدُ الأضحى في رسالةٍ مفادُها أنَّ عاقبةَ الطاعةِ الفرحُ والسرورُ في الدنيا والآخرةِ.

- فأدخِلوا الفرحَ والسرورَ على أبنائكم وأهليكم في هذه الأيامِ المباركاتِ، فالتوسعةُ على الأهلِ من الأمورِ المشروعةِ والمحمودةِ في هذه الأوقاتِ من أنواعِ الطعامِ والشرابِ والملبسِ، كلٌّ حسبَ طاقتهِ، ولا تنسوا جيرانكم، فتفقَّدوهم وأدخِلوا عليهم السعادةَ، ولا تنسوا الأقاربَ من التوسعةِ والمعروفِ؛ قالَ الرسولُ -صلى الله عليه وسلم-:(مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ ‌الْعَبْدُ ‌فِي ‌عَوْنِ ‌أَخِيهِ) (رواه مسلم)

تقبَّلَ اللهُ منا ومنكم صالحَ الأعمالِ، وأعادَ علينا وعليكم عيدَ الفطرِ بالخيرِ واليُمنِ والبركاتِ.

الدعوة السلفية بمصر

الأحد 30 رمضان 1446هـ

30 مارس 2025م