إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 03 أبريل 2016 - 25 جمادى الثانية 1437هـ

تحليل نتائج "حزب النور" في المرحلة الأولى مِن انتخابات 2015م

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فأقدِّم في هذه المقالة تحليلاً لنتائج "حزب النور" في المرحلة الأولى مِن انتخابات 2015م، وهو -بلا شك- أمر يحتاج إليه المهتمون بالشأن السياسي في مصر عامة "وبشأن حزب النور خاصة".

أولاً: حزب النور ينافِس على 65% وثورة الإعلام عليه:

تقدَّم حزب النور لانتخابات 2015م بأربعة قوائم تمثـِّل 100% مِن القوائم، وبعدد 220 مقعدًا على الفردي، وبمجموع الفردي والقائمة كانت النسبة التي ينافس عليها الحزب حوالي 65% مِن مقاعد البرلمان؛ فكان رد الفعل الإعلامي زاعقًا ومتناديًا بالمصيبة العظمى التي تنتظر مصر حينما يفوز حزب النور بكل هذه المقاعد، وماذا سيفعل حزب النور بتلك الأغلبية؟! فمِن مدَّعٍ أنه سيسحب الثقة مِن الرئيس، ومِن مدَّعٍ أنه سوف يبايع "داعش"! إلى ادعاءات كثيرة...

وهذا كلام مليء بالمغالطات مِن عدة جهاتٍ، منها:

- لا يُتصور أن يفوز أي حزب بمائة بالمائة مِن المقاعد التي ينافس عليها، بل يحدث أحيانًا أن تنافس بعض الأحزاب، بل وبعض المستقلين في دوائر تكاد تكون محسومة لغيرهم مِن باب الاحتكاك بالجمهور، وتنشيط قواعدهم للتعريف ببرنامج حزبهم.

- أنه لو افترضنا جدلاً أن حزب النور كان سيفوز بكل هذه المقاعد وأنه سيمثل أغلبية؛ فكيف يمكنه أن يتخذ خطوات كهذه وهو الحزب الوحيد الذي شارك بفاعلية في الدستور والانتخابات الرئاسية رغم عدم وجود مردود مباشر عليه كحزب إلا أنه فعل هذا مِن أجل المصلحة العامة؟!

- ادعاء أن الحزب يؤيد "داعش" فيه مغالطة ترقى إلى درجة السفه؛ فحزب النور هو الحزب الوحيد تقريبًا الذي أقام فاعليات حقيقية على الأرض للتوعية بخطر الفكر الداعشي، وقد جاءت دماء "أمين الحزب" في "العريش" الذي قتلته أيدي الغدر، واتهمت تقارير وزارة الداخلية الجماعات الداعشية بقتله لأجل رفضه لهذه الأفكار.

- لا يتصور في ظل وجود الدستور وفي ظل وجود مؤسسات صلبة في الدولة المصرية أن يستطيع البرلمان أن يفعل تلك السفاهات التي قيل إن الحزب سوف يقوم بها.

ثانيًا: حزب النور يقلـِّص الحصة التي ينافس عليها:

وفي ظل حالة الهلع التي صدَّرها الإعلام للمجتمع رغم أن هذا يتنافى مع أسس الحياة السياسية السلمية اضطر حزب النور إلى خفض المقاعد التي ينافس عليها إلى الثلث؛ وذلك بالانسحاب مِن قائمتي الصعيد وشرق الدلتا، والاكتفاء بقائمتي غرب الدلتا وقائمة القاهرة ووجه بحري، كما قلَّص عدد مرشحيه في الفردي إلى 160 مرشحًا.

ثالثًا: نتائج الجولة الأولى مِن المرحلة الأولى:

أجريت انتخابات المرحلة الأولى لمحافظات قطاع غرب الدلتا "الإسكندرية - البحيرة - مطروح" وقطاع الجيزة والصعيد، وكان للحزب -كما أسلفنا- قائمة واحدة في قطاع غرب، وهي التي كان يتوقع للحزب أن يحسمها أو أن يخوض فيها الإعادة -على الأقل-، كما كان له نحو 80 مرشحًا فرديًّا في قطاعي غرب وجنوب.

وظهرت النتيجة على النحو الآتي:

1- فوز الحزب بـ30% مِن عدد أصوات قائمة غرب الدلتا في مواجهة ثلاث قوائم تمثـِّل كل منها ائتلافًا مكونًا مِن عددٍ مِن الأحزاب "مجموعه حوالي 50 حزبًا": رغم أن النظام الانتخابي القائم على القائمة "المطـْلقة" قد أهدر هذه الأصوات! وبالتالي فقيمتها مِن الناحية القانونية في ظل هذا القانون = صفر، في حين أن قيمتها السياسية تظل 30%.

2- دخول عدد 24 مرشحًا للحزب في جولة الإعادة: وهنا اتحد الإعلام الإخواني مع معظم قنوات الإعلام المصري ليعلنوا أن حزب النور قد حصل على "صفر!"، بالرغم أن هذا "الصفر" ينطبق على القائمة، وهو صفر مِن الناحية القانونية، ولكنه 30% من الناحية السياسية كما أسلفنا.

وقد أهمل هؤلاء وأولئك أن للحزب مقاعد في الإعادة واعتبروها هي الأخرى مِن قبيل الصفر، مع أن كل الأحزاب لم تحصل إلا على عددٍ مِن المرشحين دخلوا جولة الإعادة، وفاز ائتلاف "في حب مصر" بقائمة غرب الدلتا التي نافسه عليها "حزب النور"، كما فاز أيضًا بقائمة الصعيد.

رابعًا: نتائج جولة الإعادة مِن المرحلة الأولى:

ظهرت النتائج الأولية لانتخابات الإعادة للمرحلة الأولى على هذا النحو:

- الغالبية العظمى مِن الناجحين مِن المستقلين، وهذا شيء متوقع مِن نظام الانتخابات الفردية لا سيما مع تمثيل كثير مِن الدوائر بثلاثة أو أربعة مقاعد؛ مما أعطى المستقلين فرصًا للتحالف فيما بينهم، وتكوين روابط قبلية أقوى مِن الأحزاب.

- جاءت الأحزاب على النحو الآتي:

- المصريين الأحرار 41 بمجموع مرشحي الفردي وقائمة "في حب مصر".

- مستقبل وطن 36 بمجموع مرشحي الفردي وقائمة "في حب مصر".

- الوفد 20 بمجموع مرشحي الفردي وقائمة "في حب مصر".

- النور 12 منهم اثنان ينتظرون طعنًا لم يحكم فيه وقت كتابة هذه السطور.

- الشعب الجمهوري 11.

- المؤتمر 7 .

- حماة الوطن 7 .

- تيار الاستقلال 3.

علمًا بأن هناك أربع دوائر فردي ستُعاد بيْن كل المرشحين، يملك حزب النور فيهم حوالي 8 مرشحين.

وبعد استعراض الوضع الانتخابي نأتي لتحليل بعض النتائج:

أولاً: لماذا خسر حزب النور قائمة غرب رغم أن الجميع رشحه للفوز بها؟!

اعتبر معظم المتابعين أن فوز حزب النور بقائمة غرب الدلتا أمر مفروغ منه؛ استوى في ذلك مؤيدو حزب النور ومنافسوه، وفي الواقع لم يكن هذا الاتفاق مبنيًّا على فراغ، ولكنه كان مبنيًّا على قاعدة سياسية، وهي: أن اتساع رقعة الدوائر الانتخابية يعطي الانتخابات صبغة أيديولوجية أو -على الأقل- صبغة تنافس البرامج "يُذكَر أن حزب النور أعلن برنامجه في وسائل الإعلام في حين لم يتم هذا مِن القوائم المنافسة"، وفي ظل الانتشار الجيد للحزب في محافظات قطاع غرب الثلاث كان مِن المتوقع أن يحسِم الحزب القائمة مِن الجولة الأولى أو -على الأقل- يخوض إعادة مع قائمة "في حب مصر".

- ولكن الذي حدث أن الأعلام أوحى أن قائمة "في حب مصر" هي قائمة الدولة، بل قائمة الرئيس "السيسي" شخصيًّا! إلى درجة أن تستعمل القائمة صور الرئيس ومقتطفات مِن خطبه في دعاياتها الانتخابية "ولا أدري: هل يمثـِّل هذا مِن جهتهم خرقـًا للدستور الذي ينص على عدم وجود حزب للرئيس أم لا؟!"، وبالتالي وجدَ معظم المستقلين أن مِن الأفضل له انتخابيًّا وسياسيًّا ألا يكتفي بالدعوة إلى انتخابه، بل يدعو أيضًا إلى قائمة "في حب مصر" ليجد "النور" نفسه في انتخابات القائمة في مواجهة كل الكتلة الانتخابية التي نزلت تقريبًا.

- أضف إلى هذا: الهجوم الإعلامي "الشرس" على "حزب النور" والذي لم يتوقف حتى في لحظات الصمت الانتخابي!

- ومِن وجهة نظري: فإن هذه الهجمات الإعلامية المتشنجة لا يمكن أن تؤثر في شعبية أي اتجاه بالسلب، بل لا نكون مبالغين إذا قلنا إنها تؤثر بالإيجاب، ولكنها أثرت انتخابيًّا، بمعنى أنها أحبطت كتلة كبيرة مِن التي تصوِّت لحزب النور، وأوحت لهم أن نتيجة الانتخابات محسومة؛ مما صدهم عن المشاركة.

وأنا إذ أقرر هذا لا أُعفي قيادات حزب النور وقواعده مِن مسئوليتهم عن تعبئة الكتلة المؤيدة لهم، ويجب عليهم أن يبحثوا في هذا الأمر في المرحلة الثانية إذا قرروا استكمال هذه الانتخابات على هذا النحو.

- ويمكنك أن تضيف: ظهور المال السياسي بشكل شرس، وفي ظل تراخٍ واضح مِن الشرطة عن مواجهته أو الاكتفاء بإبعاد سماسرة شراء الأصوات عن محيط اللجان "وإن مارسوا جريمتهم على قارعة الطريق!"، وكلما كان المرشح المستقل أكثر بذخًا في شراء الأصوات كلما كان أكثر حماسًا في الترويج لقائمة "في حب مصر"، ظنًّا منه أن هذا يعطيه المزيد مِن الأريحية في الشراء، ويحميه مِن الملاحقة الأمنية!

- بالإضافة إلى الحشد الطائفي الذي فاق كل وصفٍ إلى الحد الذي بلغ بأنصار مرشحٍ إلى الهتاف: "بالروح بالدم نفديك يا صليب!"، وهو وإن لم يصل إلى تلك الفجاجة في قطاع غرب إلا أنه قد وُجد، وغني عن الذكر أن الحشد الطائفي لمرشح الفردي كان معه حشد طائفي ضد قائمة حزب النور، ويكفي أنه تكرر مِن أكثر مِن رمز سياسي وصف الأقباط المنضمين لحزب النور بالخيانة دون أن يبكي أحد أو يتباكى على حقوق الإنسان الضائعة، وعلى ازدراء شخص بناءً على اختيار سياسي أن ينتمي لحزب دستوري وقانوني، وأن يرى أن دينه لم يلزمه بشريعة معينة ومِن ثَمَّ فهو يؤيد الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية إما رغبة في السلام الاجتماعي أو اقتناعًا بكمال وعدالة أحكامها.

وبالنظر إلى هذه الملابسات مجتمعة يكون حصول حزب النور على 30% من أصوات هذه القائمة، وفي مواجهة ائتلافات وليست أحزابًا منفردة نتيجة في غاية القوة مِن الناحية السياسية، وإن كان القانون يجعلها صفرًا.

ثانيًا: لماذا أصر حزب النور أن يغرِّد منفردًا في القوائم ولم يدخل في تحالفات؟

قد يطرح البعض هذا السؤال معتبرًا أن حزب النور هو مَن اختار أن يغرِّد منفردًا، وبالتالي ليس له أن يشتكي بعد ذلك مِن أنه حزب منفرد أمام تحالفات، ومَن يطرح هذا ينسى أن حزب النور قد رحَّب بالتحالف، ولكن كل الائتلافات رفضت التحالف معه، ويبدو أن كثيرًا مِن هذه التحالفات أراد ألا يزعج نفسه ببرنامج انتخابي اكتفاءً بشعار: "انتخبونا وإلا أتاكم حزب النور!"، وحينما لم يُجْدِ هذا الشعار في تخويف الناس تم تعديله: "انتخبونا وإلا أتاكم حزب النور الإخواني التكفيري الداعشي!"، إلى آخر هذه الأوصاف.

الأمر الآخر: أنه لا بأس أن يسعى الحزب لتحقيق نسبة سياسية وإن لم يكن معتدًا بها قانونًا، وهذا اختبار لمصداقية البرلمان القادم: هل سيحافظ على القانون المَعيب والذي يجعل الـ 49.5% صفرًا، أم سيعدل القانون وفق ما تقوم عليه النظم الانتخابية في كل دول العالم؟!

تنبيه: لم يقتصر الأمر على القائمة المطلقة، بل التوسع في عدد مقاعد الفردي أيضًا يعطي فرصة لسيطرة القبليات والانتماءات غير السياسية على أصحاب التوجهات السياسية؛ فإذا أضيف إلى ذلك: السماح أو -على الأقل- عدم القدرة على ملاحقة المال السياسي فيكون نظام القوائم المطلقة والنظام الفردي أسوأ ما يمكن.

ثالثًا: هل يعد ترتيب الحزب الرابع في عدد مقاعد الفردي "ترتيبًا مناسبًا"؟

مِن واقع نتائج القوائم فإن حزب النور يرى أنه استطاع أن يخوضها منفردًا، وأن يحصل فيها على 30%؛ ومِن ثَمَّ فهو يرى أن هذا يعني أنه الحزب الأول في مصر.

وأما الانتخابات الفردي فقد كانت الغلبة فيها للمستقلين لا سيما مع وجود ثلاثة أو أربعة مقاعد في كل دائرة مكَّنت كبار المستقلين مِن تكوين تحالفٍ قوي لا يقوى أصحاب الأيدولوجيات على كسره في كثير مِن الأحيان.

ولكن قد يقال: إن هذا عام على كل الأحزاب.

والجواب: نعم، ولكن سلوك الأحزاب معه كان مختلفًا؛ فلدينا نموذج لحزب حديث النشأة اختار عددًا كبيرًا مِن المرشحين المستقلين الأقوياء قبْل الانتخابات بأسابيع قليلة، لدرجة أنه كان للحزب أكثر مِن مرشح في ذات الدائرة دون أن يقوموا بدعاية مشتركة أو حتى يتحالفوا انتخابيًّا، وقادة هذا الحزب لا يخفون، بل يفتخرون بأنه غير مؤدلج، وهذا نذكره مِن باب الرصد لا مِن باب الاعتراض؛ لأنه لا بد لمن دخل إلى الحلبة أن يتقبل جميع قواعدها، وهذه الطريقة تمثـِّل أحد طرق نشأة الأحزاب، والحزب الناشئ بهذه الطريقة إما أن ينجح في التعبير عن مطالب آنية لشريحة عريضة مِن المواطنين "غالبًا الطبقة الوسطى" فيتحول إلى رقم في المعادلة، وإما أن يتفكك بسرعة أكبر مِن التي تكون بها.

وأما الاعتراض الحقيقي فهو على الحزب الذي يدفع أموالاً لأعضاء مستقلين مِن النوعية التي تتقن شراء الأصوات، ثم يحشد لهم حشدًا طائفيًّا، ويوفـِّر لها صخبًا إعلاميًا يلمعهم؛ فيقلب ممارساتهم الاحتكارية مشاريعَ خيريةً، واستنجادهم بالغرب توسعًا في العلاقات الدولية، والمشاريع الطفيلية قلاعًا وحصونًا اقتصادية في ذات الوقت الذي يرهب خصومها، ويكيل لهم التهم وينسج حولهم الأكاذيب ويرميهم بكل داء هو فيه وينسل، فهذه النوعية مِن الأحزاب ترتكب كل الموبقات السياسية، وتستطيع بهذه الطريقة أن تستحوذ على عددٍ كبير مِن المقاعد، وإما أن يتم مواجهة هذه الموبقات قضائيًّا وسياسيًّا ومجتمعيًّا، وإما أن تعجل مثل هذه الأحزاب بفساد في الحياة السياسية بدت أولى مظاهره في حالة الإعراض التي شاهدها الجميع مِن قطاع لا يُستهان به مِن الناخبين عن الانتخابات.

بل لا أكون مبالغًا إذا قلتُ: إن هذه القوى تعمدت أن تلمع خيار المقاطعة في بداية العملية الانتخابية على أساس أن المقاطعة تقلل مِن الحاجة إلى شراء المزيد مِن الأصوات "وبالطبع هذه العقليات التي تتقن فن تزاوج المال بالسياسة تنفق ببذخ، ولكنها "لا تضع قرشًا ولا -سنتًا- في غير موضعه!".

في النهاية: أقتبس هتافًا هتف به "أنصار النور" احتفالاً بفوز مرشحيهم في إحدى الدوائر يلخـِّص نظرتهم إلى طريقة نجاحهم وطريقة نجاح كثير مِن منافسيهم، حيث كانوا يهتفون: "الشمسية والفانوس، ونجحنا مِن غير فلوس".

رابعًا: لماذا خاض حزب النور الانتخابات في ظل هذا القانون؟ ولماذا أمَّل الفوز؟

اعترض حزب النور على القانون -في حينه- كما اعترضت عليه معظم الأحزاب السياسية، وقد دعت بعض هذه الأحزاب إلى إعلان الانسحاب مِن الانتخابات في ظل إصرار الرئيس السابق "عدلي منصور" على هذا القانون، ولكن حزب النور فضـَّل الاستمرار لإنجاز خارطة الطريق، وإدراكًا منه أن الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية مرتبطة بوجود البرلمان، وأن كثيرًا مِن الاتفاقيات الاقتصادية التي يمكن أن تساهم في رفع المعاناة عن الشعب المصري مرهونة بوجود برلمان يقرها، وفي ذات الوقت ظن قيادات الحزب أنهم تكيفوا بدرجة جيدة مع هذا القانون وبصورة قد تضعف تمثيلهم نسبيًّا، ولكن بدرجة ليست بالكبيرة وفق تقديراتهم، والمفاجأة التي لم تكن في الحسبان هي ليست وجود المال السياسي فقط، وإنما في وجوده العلني السافر، وبميزانية بدت في بعض الدوائر أنها بلا سقف "أحد أسباب كون جولة الإعادة أفضل نسبيًا أن البعض يبدو أنه كان قد استنفد ميزانيته كاملة في الجولة الأولى في حين بقي البعض محتفظـًا بذات القدرات اللا محدودة في شراء الأصوات على مدار يومي الإعادة!".

وبعد المرحلة الأولى -بجولتيها- على حزب النور أن يقرر: هل سيستمر في تلك المنافسة الشرسة مع المال السياسي وينتزع منه الدوائر التي يستطيع أن يحشد فيها حشدًا جماهيريًّا حقيقيًّا رغم حالة الإحباط العام، أم ينسحب اعتراضًا على قانون به بعض المزايا وبعض العيوب، ولكن إن ضم معه المال السياسي والحشد الطائفي صار شيئًا آخر لا علاقة له بالانتخابات ولا بفكرة "نواب الشعب" مِن قريب أو مِن بعيد؟!

وبلا شك أن انتزاع مقاعد مِن بين "أنياب المال السياسي" قد يعوِّض أبناء النور نفسيًّا عن ضعف نسبة المشاركة، كما أن الحزب قد اعتاد على تقديم نماذج قادرة على التفاعل والتأثير بصورة يغني فيها الكيف على الكم، وهذه أمور قد ترجح جانب الاستمرار في المشاركة، في حين يرى البعض أن انسحاب أي حزب -لا سيما إذا كان الممثل الوحيد لتيار ما- قد يجعل العقلاء يضغطون على بعض الجامحين أن يعودوا إلى دائرة العقل مرة أخرى.

خامسًا: الشماتة الإخوانية هل لها محل مِن الإعراب؟! وهل المشاركة في ظل هذا الوضع تتماشى مع منهج النور؟

أظهر الإخوان شماتة غير مسبوقة فيما أصروا على تسميته تدليسا بـ"صفر حزب النور"، وفي الواقع أن حزب النور لو فاز بعددٍ وافر مِن المقاعد لقالوا: "قبضوا ثمن خيانتهم!"، ولو كان العكس لأظهروا الشماتة، والذكي منهم مَن لا يظهر شماتة مجردة، وإنما يضيف إليها دعوة أن تعالوا إلى صف المعارضين للدولة واجلسوا في بيوتكم انتظارًا لمظاهرة خاطفة هنا أو هناك، وإن ارتقى بكم الحال فيمكنكم أن تنضموا إلى الكتائب النوعية، وهذا هو غرضهم مِن كل المناقشات التي تدور بينهم وبين أبناء النور المصرين على المنهج الإصلاحي، ومِن ثَمَّ فلا ينبغي أن ينشغل مَن اختار طريق الإصلاح السلمي بمن يريد أن يحرفه عنه، ويؤول كل واقعة بما يتماشى مع هذا الهدف.

ومع هذا فنحن نقول لهم: إنه وفق قواعدكم السياسية فما حققه حزب النور انتصار سياسي كبير، ويتبين هذا إذا نظرنا إلى تاريخ مشاركات الإخوان السياسية في العصر الحديث، والتي بدأت عام 1984م.

وكانت حصيلتها كالتالي:

- عام 1984م فازوا بـ (6 مقاعد) ضمن تحالف الوفد والإخوان.

- عام 1987م دخل الإخوان البرلمان ضمن التحالف الإسلامي "الإخوان - حزب العمل المصري - حزب الأحرار" التي خاضوا الانتخابات فيها تحت شعار: "الإسلام هو الحل"، وكان مجموع ما حصل عليه التحالف رغم جاذبية الشعار "36 عضوًا".

- وفي عام 1995م رشح الإخوان 150 مرشحًا لم ينجح منهم أحد إلا "نائب واحد" هو الأستاذ "علي فتح الباب".

- وفي عام 2000م فاز الإخوان بـ"17 نائبًا".

- وفي عام 2005م رشح الإخوان في مصر 160 مرشحًا تحت بند المستقلين فاز منهم "88 عضوًا".

- وفي 2010م دخل الإخوان أولاً في تحالف "الجبهة الوطنية للتغيير" الذي نادى بمقاطعة الانتخابات، ثم قرروا دخول الانتخابات وبعد خروجه مِن الجولة الأولى بلا فائزين مع وجود "7 مرشحين إعادة" عاد الإخوان لقرار الانسحاب.

الشاهد مِن هذا: أن الإخوان اعتبروا "6 أعضاء" في 1984م، واعتبروا أن وجود "عضو واحد" في 1995 أمر لا مانع منه طالما أن هذا هو الذي تحقق، وهكذا...

وقد يقول قائل: إن المقارنة يجب أن تتم على ما بعد "25 يناير" حين حصل الإخوان على 40%، وحصل حزب النور على 25%، وقائل هذا يتعامى عن تغيُّر المناخ العام، ولا نريد أن نتكلم كثيرًا عن المسئول عن تغير هذا المناخ، ومَن الذي قدَّم صورة جيدة عن الإسلاميين في المعارضة مما جعل الناس تدفع بهم إلى الحكم بعد الثورة، ثم قدَّم صورة سيئة في الحكم لا ندري إلى متى يمكن أن يعاني منها أي حزب ذي مرجعية دينية!

ولكن لقائل أن يقول: نعم لو طبقنا قواعد الإخوان السابقة على هذه الحالة لاعتبرت نجاحًا كبيرًا، ولكن لو طبقنا ذات القواعد التي كان ينادي بها قادة النور "قبل تأسيسه" فتعتبر هذه المشاركة محدودة الفائدة.

وللإجابة على هذه الشبهة نقول:

1- حالة ما قبل "25 يناير" كانت حالة تكلس سياسي بكل معاني الكلمة، والمناخ السياسي مِن جهة القضايا الكلية العامة كان ثابتًا ولا يـتأثر إطلاقا بالكتل الموجودة في البرلمان، بخلاف الحال منذ "25 يناير" إلى الآن، ومِن وجهة نظر "كوادر النور" على الأقل أنهم ساهموا في منع فتنة داخل البلاد، وأنهم ساهموا في استقرارها، وحافظوا على بقاء مرجعية الشريعة قضية جماهيرية وسياسية حية، وهكذا فما زالت الأمواج تذهب وتجيء؛ فالفرق كبير.

2- يمكنك أن تقارن بيْن ترشيح الإخوان للأستاذ "جمال أسعد" على قوائم التحالف الإسلامي دون قانون يلزم بذلك آنذاك والخطاب الذي استعمل في هذا، وبين ترشيح النور للأستاذ "نادر الصيرفي" كمثال لمن رُشِّح على قوائم النور مِن الأقباط؛ لتدرك الفرق في تنظير كل المسائل.

3- حتى في باب الممارسة فقد تحمَّل النور الكثير مِن الظلم، ولكنه لم يناور أو يخل بأي تحالف له أو أي ميثاق له؛ مما يعني أن النور يقدم تجربة جديدة لا يُسأل عن غيرها، ولا يلزمه أثناء تقديمها أن يستصحب ما كان يقوله على تجارب غيره طالما أنه يرى أنه رشَّد التجربة وضبطها مِن وجهة نظره -على الأقل- بضوابط السياسة الشرعية التي ينادي بها، وبالطبع مِن حق أي أحد أن يسأل النور عن هذه الفروق، ومِن واجبهم أن يجيبوا مَن سأل.

ونظرًا لما سبق فإنني أؤكد أنه إذا كان حزب النور سوف يبحث موقفه مِن الانتخابات؛ فهذا شأنه الداخلي، ولكن مبدأ الوجود السياسي ذاته فأرى أن هذه التجربة لا بد وأن تكتمل وأن تعايش كل الظروف، وتتصرف في كل موقف بما تقتضيه أسس السياسة الشرعية لتبقى تجربة جديدة تستفيد منها الأمة ككل، وهذا حق جميع مؤيديهم عليهم.

سادسًا: الإسكندرية معقل حزب النور... هل خذلته انتخابيًّا؟!

عقب كل استحقاق انتخابي نسمع هذه العبارة: "الإسكندرية المعقل الرئيسي لحزب النور خذلته انتخابيًّا!"، وهذا ما يدفعنا إلى أن نسألهم: مِن أين أتيتم بأن الإسكندرية هي معقل حزب النور؟ الإجابة معروفة، وهي أن هذا الأمر استناد إلى التاريخ الذي يقول بأن الإسكندرية هي المعقل الرئيسي للدعوة السلفية التي ينتمي معظم مؤسسي حزب النور إليها.

ولحل هذه المعضلة نوضح التالي:

الإسكندرية محافظة تكاد تكون مكونة مِن مدينة واحدة أساسية هي مدينة الإسكندرية، ومعها مدينة صغيرة جدًّا هي مدينة برج العرب، ومعها ظهير ريفي صغير يقع على أطراف تلك المدينة الكبيرة، وهذه الحالة "المحافظة ذات المدينة الكبيرة الواحدة تقريبًا" لا تكاد توجد إلا في محافظة الإسكندرية، ولعل هذا هو أحد أسرار مدينة الإسكندرية عبْر التاريخ الذي جعلها مدينة متوسطة الصخب منفتحة على كل الأفكار، يميل أهلها -حتى مَن لم ينل حظـًّا كبيرًا مِن التعليم منهم- إلى أن يحاول أن يدرك ما حوله؛ ومِن ثَمَّ فكل التيارات ممثلة في الإسكندرية: "التيار الإسلامي بتنوعاته التي لا تقتصر على السلفيين والإخوان، بل تشمل بعض التيارات الأخرى - والتيار اليساري - والتيار الليبرالي"؛ أضف إلى ذلك في حالة اللعب على الوتر "الطائفي" -كما حدث في هذه الانتخابات- أن الإسكندرية تشهد وجودًا قبطيًّا أعلى كثيرًا مِن متوسط الوجود القبطي في عموم مصر.

والخلاصة: أن حزب النور قوي جدًّا في الإسكندرية، ولكنه غير منفردٍ وغير مسيطر، بخلاف بعض الأماكن الأخرى التي قد يسيطر عليها تيار واحد، وتضعف كل التيارات بجانبه، وبهذا الأمر يتضح أن النتائج الانتخابية التي يحققها النور في الإسكندرية منطقية رغم أنها تعتبر عاصمته الفكرية والسياسية.

وهذا لا يعني عدم وجود مشاكل داخلية أو أن النور حقق أفضل ما يمكن تحقيقه في الإسكندرية، بل إن مسألة رمزية وتاريخية الإسكندرية بالنسبة لهذا التيار مثـَّلتْ في الفترة الأخيرة نقطة ضعف؛ نتيجة انضمام أحد الرموز إلى تحالف دعم الشرعية وتوجيهه الخطابات الدائمة إلى أبناء الحزب بترك السياسة، وفي الواقع هذه الأمور تؤثـِّر في كوادر الإسكندرية أكثر مِن كوادر المحافظات الأخرى لقربهم ومخالطتهم لهذا الرمز أو ذاك.

وفي رأيي: إن هذه أزمة نفسية في المقام الأول سرعان ما سيتجاوزها الحزب في الإسكندرية إذا أحسن تهيئة كوادره على ألا يتأثروا بخطابٍ كهذا مهما بلغ حبهم لمَن أرسله، طالما أنه هو مَن خالف ما كنا متفقين عليه أنه الصواب، وقد ظهر هذا جليًّا في جولة الإعادة في الحمام والعامرية والمنتزة، وإن كانت التحالفات الانتخابية في الأخيرة قد أخرجت مرشح الحزب الأستاذ "عبد الحليم محروس" رغم تحسن وضعه جدًّا في الإعادة، فقد تحسنت الأمور وشارك كثيرٌ ممن كان محجمًا.

وأمام أبناء النور في الإسكندرية إعادة في دائرة كاملة هي دائرة الرمل يستطيعون مِن خلالها أن ينظموا صفوفهم، وأن يعطوا رسالة طمأنة لكوادر النور في كل الجمهورية، والذين ينظرون إليهم على أنهم هم الأكفأ والأنشط.

ولكني أحذرهم عمومًا في أي استحقاق انتخابي مِن أن يبالغوا في قوتهم؛ فيصابوا بالإحباط رغم العمل والجهد، وعليهم أن يدركوا أنهم يواجهون منافساتٍ انتخابية شرسةٍ ربما لا يواجهها الحزب في المحافظات الأخرى.

وأقول لهم: كونوا على قدر التحدي، ولكن في ذات الوقت كونوا واقعيين في تقييمكم للنتائج.

سابعًا: حزب النور في الصعيد:

تعامل معظم المتابعين مع حزب النور أن شعبيته تتركز في الوجه البحري، وما أن بدأت الحملة الانتخابية امتلأ الصعيد بالمؤتمرات الحاشدة للنور؛ فأدرك الجميع أن الحسابات لم تكن دقيقة، ولعل هذا ما زاد مِن لهيب الحملة الإعلامية الموجهة إلى النور، وهو ما أدركه الحزب وسارع إلى سحب قائمته مِن الصعيد خاصة مكتفيًا بالفردي في محاولة منه لتهدئة الجميع، ولكن تصرفه هذا لم يقابل بما يستحقه مِن الأطراف الأخرى.

ثم جاءت نتيجة الفردي بالفوز بمقعدٍ واحدٍ في بني سويف وآخر في الفيوم "لم يتأكد" ليطرح السؤال مرة أخرى: ما هي حقيقة تواجد حزب النور في الصعيد؟!

في الواقع: إن المؤتمرات الانتخابية لم تكذب، وإن كانت الصناديق قد قالت غير ذلك، فهذا راجع إلى خشونة التدخل الأمني في بعض أماكن الصعيد، كما أن كوادر الحزب في الصعيد حديثة عهد بالعملية الانتخابية؛ فلم يحسنوا التعامل مع كل مراحلها مِن الناحية الإجرائية؛ مما أضاع عليهم الكثير مِن الأصوات.

ولكن أعود فأؤكد أن: الوطن كله قد ربح مِن تجربة شباب النور في الصعيد، مِن وجود مناخ سياسي بدلاً مِن تيارات العنف التي سادت لعقود، ومِن وجود شباب قادر على ضبط نفسه حتى في ظل الضغوط التي مارسها المال السياسي والحشد الطائفي.

وحزب النور لا ينبغي أن ينظر إلى مقاعد بقدر ما ينبغي أن ينظر إلى حسن توظيف كوادره، والمساهمة في استثمار طاقات شباب التيار الإسلامي في الإصلاح وليس في الصدام، وأظن أن شباب النور قد قدَّم نموذجًا رائعًا في هذا المضمار ختم بتلك الجنازة المهيبة للدكتور "مصطفى عبد الرحمن" ابن سوهاج، والذي كان يقطن العريش، وكان أمينًا لحزب النور فيها، واغتالته رصاصات الغدر، ودفن في مسقط رأسه في سوهاج، وجاء شباب النور مِن كل أنحاء الصعيد ليودعوا أخاهم ثم يستعدوا لانتخابات الإعادة في سكينة وسلام، متغلبين على أحزانهم، معطين الأمل في أن شباب التيار الإسلامي "وفي قلب الصعيد، وفي أوج الأحزان" قادر على الاستمرار في النهج الإصلاحي إلى منتهاه متى مهدت سبله.

وما زال أمام أبناء الصعيد إعادة في دائرتين في بني سويف يمكن مِن خلالهما أن يزيدوا حصتهم مِن تلك المشاركة البرلمانية.

وأسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يحفظ مصرنا، وأن يجعل لنا نصيبًا مِن إصلاحها ورفعتها، اللهم آمين.