إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 22 مارس 2016 - 13 جمادى الثانية 1437هـ

تيسير الزواج مِن هدي خير الأنبياء -صلى الله عليه وسلم- (2) استدلالات على المغالاة في المهور ومؤن الزواج وجوابها

استدلالات على المغالاة في المهور ومؤن الزواج وجوابها

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن مما يؤسف له أن صار كثير مِن الأولياء يبالغون في أمور المعاش ولا يُيسِّرون فيها، بل يضع كثيرٌ مِن الأولياء العقبات أمام الخاطب وطالِب الزواج حتى صار بعضهم يشترط عملاً مضمونًا ودخلاً يزيد على النفقة بالمعروف لضمان الظروف وتقلب الأحوال!

ولا ندري مِن أين يتوافر لكل الشباب "هذا العمل المضمون" الذي يطمئن به مثل هؤلاء الأولياء؟! بل ويشترطون حتى في تحسين الدخل أن يكون كذلك عملاً ثابتًا مضمونًا بزعمهم! والله -عز وجل- هو القائل: (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)؛ فوعد بالرزق على الزواج.

قال القرطبي -رحمه الله-: "قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) رَجَعَ الْكَلامُ إِلَى الأَحْرَارِ، أَيْ لا تَمْتَنِعُوا عَنِ التَّزْوِيجِ بِسَبَبِ فَقْرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ. (إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ): هَذَا وَعْدٌ بِالْغِنَى لِلْمُتَزَوِّجِينَ طَلَبَ رِضَا اللَّهِ وَاعْتِصَامًا مِنْ مَعَاصِيهِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْتَمِسُوا الْغِنَى فِي النِّكَاحِ، وَتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: عَجَبِي مِمَّنْ لا يَطْلُبُ الْغِنَى فِي النِّكَاحِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)... وَهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى تَزْوِيجِ الْفَقِيرِ، وَلا يَقُولُ كَيْفَ أَتَزَوَّجُ وَلَيْسَ لِي مَالٌ، فَإِنَّ رِزْقَهُ عَلَى اللَّهِ، وَقَدْ زَوَّجَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَرْأَةَ الَّتِي أَتَتْهُ تَهَبُ لَهُ نَفْسَهَا لِمَنْ لَيْسَ لَهُ إِلا إِزَارٌ وَاحِدٌ" (تفسير القرطبي بتصرف يسير).

- فالزواج مجلبة للرزق، وقد قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (الطلاق:2-3)، وقال: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) (الذاريات:22)، وقد قرن الله -تعالى- الرزق بالخلق فقال: (خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ) (الروم:40)، فدلَّ أن الرزق مِن الله لا مِن الخلق؛ ثم لم يكتفِ -عز وجل- بالدلالة حتى وعد فقال: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ) (الذاريات:58)، ثم لم يكتفِ -سبحانه- بالوعد حتى ضمِن فقال: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) (هود:6)، ثم لم يكتفِ بالضمان حتى أقسم -سبحانه- فقال: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (الذاريات:23).

وقد يستدل البعض على قضية المغالاة في مطالب الزواج ومؤنه مِن المهر وغيره ببعض قضايا الأعيان التي ينبغي ألا تـُجعَل هي الأصل وتُقدَّم على ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن التيسير في أمر الزواج كما مضى ذكره في الجزء الأول مِن هذا المقال.

ومِن تلك الاستدلالات:

- الاستدلال على المغالاة في المهور ونفقات الزواج بقول الله -تعالى-: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (النساء:20). "والقنطار: المال الكثير".

والآية إنما تدل على جواز أن يكون المهر كبيرًا إذا تيسر ذلك للزوج وكان في قدرته، لا أن الأصل هو المغالاة في نفقات الزواج ومؤنه، فقد مرَّت معنا أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الآمرة بتيسير الزواج والتخفيف فيه، فهذا على حسب يسار الزوج وقدرته، بل إن الزوج نفسه إذا تكلف مِن النفقات والأعباء ما لا يقدر عليه ولا يتناسب مع حاله استحق الإنكار عليه؛ لأنه يكون قد فعل حينئذٍ أمرًا مكروهًا ولو كان ذلك الصداق دون صداق النبي -صلى الله عليه وسلم- ما دام لا يطيقه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ : إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الأَنْصَارِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي عُيُونِ الأَنْصَارِ شَيْئًا؟) قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا. قَالَ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ! مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ). قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ. (رواه مسلم). قال النووي في شرحه لهذا الحديث: "معنى هذا الكلام كراهة إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج" اهـ.

وقال القرطبي -رحمه الله-: "هو إنكار بالنسبة إلى هذا الرجل، فإنه كان فقيرًا في تلك الحالة، وأدخل نفسه في مشقة تعرض للسؤال بسببها، ولهذا قال: "مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ" ثم إنه -صلى الله عليه وسلم- لكرم أخلاقه، جبر انكسار قلبه بقوله: "وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ" فبعثه" اهـ.

- وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَسْتَفْتِيهِ فِي مَهْرِ امْرَأَةٍ، فَقَالَ: (كَمْ أَمْهَرْتَهَا؟) قَالَ: مِئَتَيْ دِرْهَمٍ, فَقَالَ: (لَوْ كُنْتُمْ تَغْرِفُونَ مِنْ بَطَحَانَ مَا زِدْتُمْ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني).

- الاستدلال بما أمهر النبي -صلى الله عليه وسلم- به نساءه على المغالاة في المهور ونفقات الزواج: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَتْ: "كَانَ صَدَاقُهُ لأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا"، قَالَتْ: "أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟"، قَالَ: قُلْتُ: لا، قَالَتْ: "نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَزْوَاجِهِ" (رواه مسلم).

والأوقية: 40 درهمًا، أي أن الثنتي عشرة أوقية تساوي 480 درهمًا + 20 درهمًا -النش-= 500 درهم مِن الفضة، ووزن الدرهم بالجرامات: 2.975 جرامًا. فيكون مهر أزواج الرسول -صلى الله عليه وسلم- = 500 × 2.975 = 1487.5 جرامًا مِن الفضة، تضرب في سعر جرام الفضة اليوم.

والزيادة على هذا القدر لا تنبغي، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة، وهن أفضل نساء العالمين في كل صفة؛ فهو جاهل أحمق، وكذلك صداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليسار؛ فأما الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة" (مجموع الفتاوى).

فليس هناك ما يدل على التزام مثل مهر النبي -صلى الله عليه وسلم- وصداقه، وأن المهر ينبغي ألا يقل عن هذا؛ بل هو نفسه -صلى الله عليه وسلم- الذي أمر بتيسير النكاح والإعانة عليه. 

فدل ذلك على أن الصداق ليس مقصودًا لذاته في الإسلام؛ قال ابن القيم -رحمه الله- بعد أن ذكر بعض الأحاديث الدالة على تخفيف المهر وأنه لا حد لأقله: "فتضمنت هذه الأحاديث أن الصداق لا يتقدر أقله... وأن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح، وأنها مِن قلة بركته وعسره" (زاد المعاد).

- الاستدلال بقصة زواج موسى -عليه السلام-: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (القصص:27).

وهذه القصة لا تدل على المغالاة في نفقات الزواج مِن المهر والمؤن ونحوه؛ فغاية ما تدل عليه هذه أنه يجوز أن يشترط الولي لنفسه شيئًا عند تزويج ابنته، كما هو مذهب الحنابلة، وهذا الجواز لا يعني إهدار السنة النبوية الآمرة بتيسير المهور وتجنب المغالاة في الزواج ونفقاته، فسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- هي الأصل في هذا الباب، ولا تُعارَض بواقعة عين حصلتْ في شرائع الأنبياء الماضية.

وبقيتْ معنا -إن شاء الله- رسائل إلى الآباء والأولياء والأمهات والشباب والفتيات.