إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 27 نوفمبر 2011 - 2 محرم 1433هـ

للنساء فقط!

كتبه/ إيهاب الشريف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمتى تنسى المرأة أنها امرأة؟ متى تغفل المرأة عن كونها أنثى؟!

لا تتعجلي أختاه بتخطي السطور للتعرف على الإجابة، بل تمهلي لتفكري قليلاً في الإجابة.. متى يحدث ما ذكرتُ للمرأة؟

إن البعض ربما ينفي حدوث ذلك عن المرأة، أو يظن وقوعه حين تكون بعض المخالفات الشرعية لمخالطة الرجل في مجال عمله الذي لا يصلح إلا لمثله.. وأنا أقول: إن الهم قد يفعل ما هو أشد من ذلك.. نعم الاهتمام والشغل بالشيء قد ينسي الإنسان نفسه ويذهله عن أخص صفاته.

أضرب لَكُنَّ مثلاً بكافرة، إنها "إيزابيل" صاحبة القميص العتيق -كما يقال- ولكن ما سر هذه التسمية؟!

بداية أقول: هي إيزابيل بنت خوان الثاني ملكة قشتالة وأسبانيا، اعتنت الكنيسة ببناء شخصيتها ورعايتها حتى وصلت إلى الحكم، بل وأسقطت ملك المسلمين لغرناطة والأندلس نهائيًّا! ولمكانتها قام بعض القصاص الأسبان بكتابة روايتها، وطالب في كتابه برفعها إلى درجة قديسة!

وأما سر هذه التسمية: فنالتها من جراء خدماتها لنصرانيتها ودينها المحرف الباطل، فقد قدَّمت الكثير والكثير من التضحيات لأجل دينها ولأجل أسبانيا، وأقسمت وقطعت عهدًا على نفسها بعدم استبدال قميصها حتى تسقط غرناطة في يدها من سلطان المسلمين، وذلك قبل عدة سنوات من سقوطها وحدوث التسليم فعلاً.

فهل عرفتِ الإجابة أختاه؟!

هل ظهر لكِ أنها نسيت أنها امرأة فعلاً؟!

هل يتحمل ما يعرف بالجنس اللطيف ما ذكر عن هذه المرأة؟!

نعم تحملت لأجل عقيدتها ولو كان بالتضحية بأغلى ما تملك، فأين نساؤنا؟!

أين المسلمات -صاحبات العقيدة السليمة.. العقيدة الحقة والدين الحق- ممن تبذل لدينها الباطل المحرف؟!

ولم ينته دورها عند هذا فحسب، بل ذُكِر في ترجمتها أنها كانت سببًا في توحيد جهود الملوك النصارى ضد المسلمين، وليس هذا فقط.. بل رهنت مجوهراتها؛ لدفع مرتبات الجنود، وكانت تشرف على المعارك ضد المسلمين بنفسها!

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل الأشد والأنكى ما فعلته بالمسلمين؛ إذ تعد واحدة من المسئولين عن محاكم التفتيش في أسبانيا، حرقت المسلمين وهم أحياء، بل لم يسلم الموتى من شرها فحرقتهم بعد إخراجهم من قبورهم.. ومحاولة طمس كل ما هو إسلامي في الأندلس؛ حتى لم يبق فيها مئذنة ولا أذان، ولا مسلم -وإنا لله وإنا إليه راجعون-!

وأسبانيا فقط؟!

كلا.. لقد أرادت تنصير العالم الجديد -أمريكا- فمولت الرحلة الجنوبية لكولومبس؛ لاكتشاف القارة الأمريكية وتنصيرها، وضم ثرواتها للخزينة الأسبانية!

أيكفيكن هذا معاشر المسلمات أم أزيد؟!

أظنه يكفي!

كل هذه الأفعال من امرأة واحدة، فهل صَدَقـْتُ في سؤالي: متى تنسى المرأة أنها امرأة؟ نعم نسيت ذلك وتناسته وتفرغت لقضيتها ولعقيدتها، وهذا مع باطلها وكفرها؛ فكيف ينبغي أن يكون بذل المسلمات؟

إنني على يقين مِن بذل الصادقات وحركتهن لخدمة الدين.. نعم.. لكنها دعوة لمضاعفة الجهد وتكثيف البذل في هذه اللحظات الحاسمة الفاصلة التي تمر بها مصرنا، إنها أيام قلائل وتتحدد صورة مصر وصورة دستورها -إن شاء الله تعالى-، وما من شك أننا كلنا نريدها هوية إسلامية وصبغة شرعية لا خلاف بيننا على ذلك، ولكن أشريعة بغير بذل؟! أوَ يحكم القرآن بغير مَن يقاتل ويجاهد عليه؟!

أين نحن من سنن الله في الكون؟ أين نحن من تلك الأيام الخوالي التي حكم فيها الإسلام الكثير من البلاد وارتفعت عليها راية القرآن؟ هل يقول أحد: إنهم حصلوا ذلك بغير بذل وحركة وتضحية؟! كلا، لا يقول ذلك أحد.

أين أنتن من أسماء بنت الصديق -رضي الله عنهما- التي تتلقى صفعة أبي جهل على وجهها لما سألها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن أبيها فنفت أن تكون تعلم عنهما شيئًا؟! إنها صورة لبذل  الصادقات.. ورغم الشدة ومطاردة المشركين للنبي -صلى الله وعليه وسلم-.

وأين أنتن من امتثالها للأمر بالهجرة وقد كانت حاملاً ووضعت على مشارف المدينة المنورة؟! فكيف تكون مشقة الانتقال من مكة إلى المدينة في ذلك الوقت على امرأة حامل؟! إنها صورة لبذل الصادقات.

وأين أنتن من حركة أم شريك -رضي الله عنها- بين نساء قريش تبلغهن الإسلام متسترة بالتجارة بين أوساطهن حتى اكتشف أمرها رجال قريش، وما توقفت ولا ونت في دعوتها؟! إنها صورة لبذل الصادقات.

وأين أنتن من موقف نسيبة بنت كعب أم عمارة -رضي الله عنها-: وقد شهدت محاولة المشركين قتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتقدمت وفدته بنفسها فضربها ابن قمئة على عاتقها ضربة تركت جرحًا أجوف، ثم ضربته هي عدة ضربات بسيفها.. ولم تتراجع ولم تفر، بل صمدت حتى أصابها اثنا عشر جرحًا؟!

واسمعن لها وهي تقول: رأيتنِي وانكشف الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما بقي إلا في نُفير ما يتمون عشرة، وأنا وابناي وزوجي بين يديه نذب عنه، والناس يمرون منهزمين، ورآني ولا ترس معي، فرأى رجلاً مولِّيا ومعه ترس فقال: ألق ترسك إلى مَن يقاتل، فألقاه فأخذته فجعلت أترِّس به عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحاب الخيل -تعني: المشركين- لو كانوا رجَّالة مثلنا؛ أصبناهم -إن شاء الله-!

فيقبل رجل على فرس فيضربني وترست له فلم يصنع شيئًا وولى، فأضربُ عرقوب فرسه فوقع على ظهره، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يصيح: "يا ابن أم عمارة، أمك، أمك"، قالت فعاونني عليه حتى أوردته شعوب -أي: الموت-.

هل انتبهنا لقولها: "أنا وابناي وزوجي بين يديه نذب عنه"، إنها أسرة في خدمة الدعوة.. وصورة لبذل الصادقات لخدمة الدين.

ولم يقتصر بذلها على حال شبابها، بل وهي مسنة تخرج لقتال مسيلمة في اليمامة فتجرح أحد عشر جرحًا، وتقطع يدها فتقدم المدينة وبها الجراحة، ويُرى الصديق -رضي الله عنه- وهو خليفة يأتيها ويسأل عنها، إنها صورة لبذل الصادقات!

وأين أنتن من أسماء بنت يزيد بن السكن -رضي الله عنها- وقد روت ما روت من السنة، ثم تخرج في سبيل الله، وبما يتناسب مع حال المرأة فتَقتل يوم اليرموك تسعة من الروم بعمود خبائها، ولعلهم اقتحموه فنالوا نصيبهم، وأكرمتهم غاية الإكرام! وتلك صورة لبذل الصادقات.

وأين أنتن من موقف خولة بنت الأزور وقد أسرت مع مجموعة نسوة في موقعة "صحورا" فلم يستسلمن، بل وقفت تحمسهن وتشجعهن، وتضرم نار الحمية في قلوبهن، مع أنهن لم يكن لهن سلاح! فقالت: خذن أعمدة الخيام وأوتاد الأطناب، ونحمل على هؤلاء اللئام، فلعل الله ينصرنا عليهم.. ثم أوصتهن قائلة: لا ينفك بعضكن عن بعض، وكن كالحلقة الدائرة، ولا تتفرقن فتملكن فيقع بكن التشتيت، واحطمن رماح القوم، واكسرن سيوفهم.. وهجمت خولة وهجم النساء وراءها وقاتلت بهن قتال المستميت المستيئس؛ حتى استنقذتهن من أيدي الروم، وخرجت وهي تقول:

نحـن بنات تُـبَّـعٍ وحِـمْـيـر                  وضربنا في القوم ليس يُنكر

لأننا في الحرب نار تسعر                 اليـوم تسقـون العذاب الأكبـر

وهي صورة أخيرة وليست بالأخيرة لبذل الصادقات.

ولو رحت أستقصي النماذج من صور التضحية والبذل بالنفس والمال والولد من حياة الصادقات؛ لطال المقام وما انتهى المقال، لكنها ومضات أحس أنها كافية لمن كان لها قلب وفيه لإسلامها حب أن تتحرك وتبذل؛ سيما في هذه المرحلة الحرجة.

فما قائمة بَذْلِكِ أختاه؟!

كم صوتًا ستجمعين لرفع راية الشريعة؟

وكم ساعة تنفقين من يومك وليلتك خدمة لدينك؟

وكم امرأة ستقنعين بضرورة الحل الإسلامي واختيار من ينادي بتطبيق الشريعة؟

فضلاً أمسكي ورقة وقلمًا ودوني خدماتك لدين الله، والتي ترتجين ثوابها وبرها من الله ليس من الناس.. ترتجين نفعها يوم القيامة حين يتباهى الناس بالحسنات والقرب من الله، فلربما وجدت في صحيفة أعمالك: هذه الصامتة النقية الخفية كانت أعظم النساء خدمة للإسلام في زمنها، ويا بشراك حينها.

أختاه: إن عجزت عن الحركة الدءوب لخدمة الدين فأمامك مجال البذل المالي ولو من حُلِيِّك!

وإن شكوت الفقر فلربما كنت سببًا لبذل غيرك وإنفاقها أو تعبدها وتعلمها أو حفظها لكتاب الله، والدال على الخير كفاعله.

أختاه: كوني مع أخواتك وتعاوَنَّ على خدمة الدين، واقرأن(1) عن ذلك وطبقن ما تقرأن، ووازنَّ بين الحقوق والواجبات، واحرصن على ضرب المثال، وسرن على خطى السلف، واحتسبن الأجر عند الله.

وفي الجنة يطيب اللقاء، ويحمد القوم السُّرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نوصي بسلسلة: "أفكار للداعيات" للمؤلفة هناء بنت عبد العزيز الصنيع، وكتاب: "كلنا دعاة" للشيخ عبد الملك القاسم، و"مسئولية النساء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" د. فضل إلهي.