إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 15 يوليه 2010 - 3 شعبان 1431هـ

قانون التبني لغير المسلمين

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد نظرت المحاكم المصرية قضايا اتِّجار بأطفال من نتاج علاقات زنا، وتم بيعهم إلى أسر خارج مصر، واعترف المتهمون بجريمتهم تفصيليًّا، وصدرت بحقهم أحكام سجن متفاوتة المدة تم تأييدها في "محكمة النقض" -أعلى درجة محاكم في "مصر"-، وفي أثناء تداول القضية في المحاكم خرج محامي الكنيسة "نجيب جبرائيل" بمشروع قانون يبيح تبني النصارى للأطفال؛ لتحجيم جريمة الاتجار بالأطفال، وفي الواقع فإن القانون الذي قدمه ما هو إلا تقنين لهذه الجريمة، وليس تحجيمًا لها!

وقد رفع محامي الكنيسة مشروع القانون إلى شيخ الأزهر السابق الدكتور طنطاوي؛ فأحاله إلى "مجمع البحوث الإسلامية"، والذي رفضه بالإجماع، ثم حدث حكم المحكمة الذي ألزم الكنيسة بالقانون المأخوذ من لائحة 1938م المعدة بواسطة الكنيسة وقتها، وهو ما رفضته الكنيسة؛ ومِنْ ثمَّ تم التعجيل بمشروع "قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين" بحيث يوفق القانون على وفق رؤية البطريرك الحالي للكنيسة الأرثوذكسية لمسألة الطلاق والزواج الثاني، ويحاول "الكاثوليك" و"البروتستانت" إدراج مادة تبيح التبني في هذا القانون وسط اعتراضات من بطريرك "الأرثوذكس" مطالبًا بعدم استثارة المسلمين، وإن كان البعض يرى أن موقف بطريرك "الأرثوذكس" نابع من رغبته الملحة في سرعة إصدار قانون يقصر الطلاق على علة الزنا، ولذلك فهو لا يريد أن يعرقل هذه الخطوة من أجل مشروع التبني، ولعل الأقرب أن يقال: إن جرائم الاتجار بالأطفال تمت على أيدي "كاثوليك" و"بروتستانت"، وتم بيعهم في الخارج؛ مما يجعله يخشى على "الأرثوذكس" من التعرض لعمليات خطف مشابهة في ظل الحرب التبشيرية بين هذه الطوائف.

وفي هذا السياق امتلأت وسائل الإعلام بدفاع النصارى عن التبني، وإسرافهم في سرد محاسنه من وجهة نظرهم.

وقد استند كل من النصارى ووزارة العدل في المبدإ الذي قام عليه هذا القانون إلى المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وأن الشريعة قد سمحت لغير المسلم أن يحتكم إلى شريعته، وهو حق في ذاته، ولكن الذي يثير الدهشة أن يتفق على هذا الطلب الكنيسة والعلمانيون من المسلمين ومن النصارى رغم أنهم يعارضون تطبيق المادة الثانية من الدستور على المسلمين، وهو أمر ينبغي أن يُضاف إلى عجائب الدنيا السبع! وممن نوَّه إلى ذلك الكاتب النصراني "رفيق حبيب"، والذي كتب في جريدة "المصريون" بتاريخ 29-6-2010 تحت عنوان: "الدولة والكنيسة والشريعة" مقالاً نقتبس منه تلك الفقرة الختامية التي يقول فيها:

"وكأن الشريعة متمثلة في المادة الثانية من الدستور أصبحت تخص الجماعة المسيحية، وترفض أكثر ما ترفض من الجماعة المسيحية، وأصبحت الشريعة عنوانًا تهرب منه الدولة في مواجهة المسلمين، وتحتمي به الدولة لحل مشكلاتها مع المسيحيين، وهكذا تصبح الأمور في غير نصابها؛ مما يؤدي إلى حالة متناقضة، وهو ما ينذر بحالة اضطراب داخل بنية المجتمع، ويؤذن بمرحلة تتعمق فيها العلاقات الملتهبة بين الدولة والكنيسة والجماعة المسلمة.

وعلى الجانب الآخر من الصورة نجد الكنيسة تعيد للمجال العام الحوار حول الشريعة، وتبرز أهمية الشريعة بالنسبة للمسيحيين، وهو ما يعني -ضمنًا وبالضرورة- أهميتها بالنسبة للمسلمين.

ونجد الكنيسة تمارس سلوكًا عمليًّا على الأرض يعيد مرجعية الدين، ويعضد المشروع الإسلامي بكل أركانه، وبهذا يصبح فعل الكنيسة والجماعة المسيحية -رغم عنوانه العلماني البارز- هو فعل مؤسس للمرجعية الدينية للمجتمع، ورغم تناقضه علنيًا مع المشروع الإسلامي؛ ولكنه يعمق دور الدين في حياة المجتمع، وكأن الكنيسة أو بعضها، والجماعة المسيحية أو بعضها، ورغم أنها ترفع شعار القومية المصرية والعلمانية؛ إلا أن سلوكها في الواقع يعضد ويعمق الانتماء الديني، ويصب -رغمًا عنها- في صالح المشروع الإسلامي".

الحاصل أن تقرير مبدإ السماح للنصارى بالتحاكم إلى شريعتهم قد فتح شهيتهم فطالبوا بإضافة مادة تعطي حق التبني للنصارى على ألا يُسمح لهم بتبني طفل مسلم، مع أن هذا لا يُؤمَن معه عدم الاستغلال السيء، كما أن مشروع القانون بهذه الصورة يبيح تبني النصراني لمجهول النسب، وهو أمر مخالف للشريعة كما سيأتي بيانه -إن شاء الله-، وهذه تعتبر أكبر الانحرافات في هذا المشروع.

وبعد هذا التمهيد نجمل كلامنا في النقاط التالية:

1- الحكمة الشرعية في تحريم التبني، وبيان أن مصالحه موجودة في بديل بلا مفسدة، وهو كفالة اليتيم.

2- بيان أن اللقيط في بلاد المسلمين مسلم، وبالتالي لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يسمح بتبنيه.

3- بيان خطورة إقرار التبني بين النصارى على المجتمع المسلم.

4- بيان حكم التبني في النصرانية، وأنه حكم وضعي لا ينتسب حتى إلى "الأناجيل" التي في أيديهم.

أولاً: الحكمة الشرعية من تحريم التبني:

التبني عادة جاهلية قديمة فيها بعض المصالح من حصول المتبنى على أسرة بديلة، وتحصل الأسرة على ابن يكون عونًا وقرة عين لها، لا سيما إذا كانت الأسرة محرومة من الإنجاب، وكان الطفل لقيطـًا، وربما تم التبني في غير هذه الظروف كأن يرغب أحد في نسبة ولد إليه لنجابته، ورغبة ولد في الانتساب إلى غير أبيه لماله أو لوجاهته، بيد أن الأمور لا ينبغي أن تُؤخذ من جانب واحد، ولابد من الموازنة بين المصالح والمفاسد كما قال -تعالى-: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) (البقرة:219).

وإذا تأملنا في التبني وجدنا مفاسد كثيرة، منها:

1- اعتبار الطفل المتبنى بعد بلوغه محرمًا لمن تبنته ولسائر المحارم الافتراضيين، مع أنه ليس لديه الوازع الفطري الذي يجعلهن لسنَ محلاً للشهوة، وإذا كانت الحضارة الغربية قد رمتنا ببلائها من نكاح المحارم الذي يزعم "العهد القديم" وقوعه أكثر من مرة في أسر الأنبياء، بل مِنْ الأنبياء أنفسهم كما نسبوا ذلك إلى لوط -عليه السلام-، فإذا كان هذا يقع مع وجود الوازع الفطري؛ فكيف عند غيابه؟!

2- يحصل في كثير من الأحيان أن يحدث التبني؛ لأن الأسرة لا تنجب، ثم يرزقون بالولد؛ فيحدث تغيرًا كبيرًا في الشعور، وربما تخلصوا من المتبنى بالقتل، ونحوه.

3- يحدث كثيرًا بين الأشقاء من الصراع على الميراث ما لا يمكن أن ينكر، والنصارى ينسبون لعيسى -عليه السلام- قصة الشاب الذي جاء يطلب منه قسمة الميراث بينه وبين أخيه؛ فرفض، والشاهد منها حدوث النزاع في قسمة الميراث؛ فكيف إذا عرف من يستحق الميراث أصلاً أن الميراث سوف يؤول إلى هذا الدخيل، وربما كان المال موروثًا عن أبيهم أو جدهم؟!

وهذه المفاسد موجودة في تبني اللقيط، وفي تبني معلوم النسب، ويزيد الأمر في حالة معلوم النسب مفاسد، منها:

1- اختلاط الأنساب حيث يُنسب المتبنى إلى الأسرة الجديدة، وربما عاد هو أو أحد أبنائه، وتزوج إحدى محارمه وهو أمر يفسد الأخلاق فضلاً أنه سبب لكثير من الأمراض الوراثية المعروفة.

2- نسبة المتبنى إلى غير أبيه -إن تم-، وهو عاقل مدرك؛ ففيه الانتساب إلى غير أبيه، وهو غاية الجحود وإنكار حق الوالدين، وقطيعة الرحم!

3- وأما إذا كان بالتراضي بين الأسرتين حال صغر الطفل ففيه غاية الجحود من الأسرة البائعة لنعمة الولد، وأما ما اقترحه مشروع القانون بأن يُعطى الأبوين البائعين حق الرؤية؛ فهذا معناه أن يعيش المتبنى بعد ذلك وله أبوان وأُمَّان، وعجبًا لمن يمنعون تعدد الزوجات كيف يسمحون بتعدد الآباء والأمهات، وعجبًا لدكاكين حقوق الإنسان كيف تدعم مثل هذا الاستخفاف البالغ بقيمة الإنسان؟!

من أجل ذلك حرَّم الإسلام التبني بكل صوره؛ فقال -تعالى-: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) (الأحزاب:5).

كما بالغ الإسلام في الزجر عن التبني في حالة معلوم النسب؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، ومنع من إلحاق الزاني لثمرة الزنا؛ فقال: (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) (متفق عليه)، وفي هذا سد لذريعة الزنا، وعدم اعتباره وسيلة للحصول على ثمرة الحياة الدنيا "الأولاد".

فإن قال قائل: ماذا عن المصالح الموجودة في التبني؟

قلنا: إن الشرع قد حققها -بفضل الله تعالى- عن طريق:

1- رعاية الأسر المحتاجة بدلاً من شراء أبنائهم منهم.

2- وأما في حق اللقيط واليتيم؛ فعن طريق الكفالة التي بالغ النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيان فضلها، فقال: (أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى) (رواه البخاري).

ويمكن أن تتحول الكفالة إلى بنوة في الرضاعة إذا ما أمكن إرضاع الطفل عن طريق حاضنته أو إحدى قريباتها في حالة كونه ذكر، ومن قِبَل إحدى قريبات الزوج في حالة كون المتبنى أنثى.

وهو أمر يختلف عن التبني في أمور:

الأول: أن بنوة الرضاعة لا تنتشر انتشار النسب، وإنما تسري إلى فروع الرضيع دون أصوله وحواشيه.

الثاني: أنه يترتب عليها محرميه، ولا يترتب عليها استحقاق ميراث.

الثالث: أن الرضاعة تنشئ وشيجة فعلية بين المتبنى ومرضعته، وهذا أمر يعرفه الأطباء قديمًا وحديثًا، ولذلك اشترط الشرع أن تتم الرضاعة في سن السنتين؛ كما صح في الأثر (إنَّمَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ، وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ) ، وقد أذن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أن تتم الرضاعة لسالم مولى أبي حذيفة في الكبر؛ لأنه كان متبنى فعلاً عند نزول تحريم التبني؛ فاستعيض عنه بالرضاع.

وقد قَصَر جمهور أهل العلم الرخصة على هذه الواقعة؛ لعدم إمكان تكررها، بينما عداها البعض إلى مثيلاتها من وجود ولد وأم تواجد بينهم شعور الأمومة والبنوة المتبادلة لسبب أو لآخر "كأن يكون هناك تبني عن جهل أو نحو ذلك"؛ فترضعه على كبر، ومن المُسَلَّم به أنه إذا رضع عن كبر؛ فإن هذا يتم بأن تستحلب له في إناء ثم يشربه.

والعجيب من أمر المنصرين الذين ينتقدون حديث "رضاع الكبير" رغم أنه رخصة استثنائية بهذه الصورة، بينما يبيحون التبني الذي يصبح به شخص أجنبي ابنًا لمن تبنته بمجرد جرة قلم، ودونما رضاع في كبر ولا صغر!

وبهذا يتبين أن الشرع قد شجع التكافل وبنوة الرضاعة، وإعانة القراء والمساكين، مما لا يَبقى معه حاجة إلى تحمل مفاسد التبني.

ثانيًا: بيان أن اللقيط في بلاد المسلمين مسلم لا يجوز لغير المسلم تبنيه -وإن كان ذلك جائزًا في دينه-: قال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ) (متفق عليه)، وهذا يدل أنه لو لم يتم عميلة تغيير الفطرة بواسطة الأبوين فإن الطفل يبقى مسلمًا.

من عجائب التدبير الإلهي أن يفهم النصارى الرواية الواردة عندهم من أن عيسى -عليه السلام- اغتسل في نهر الأردن أن المرء لا يصير مؤمنًا بعرفهم ولو اعتقد كل عقائدهم إلا أن يعمد بواسطة كاهن، وبطقوس معينة؛ فكان هذا إمعانًا في معاندة الفطرة، ثم يقولون: إن هذا هو دين الرحمة والتسامح!

وإذا كان النصارى لا يرون البالغ الذي يرى عقائدهم على دينهم إلا إذا عُمد؛ فمن باب أولى اللقيط.

وممن انتبه إلى هذا الدكتور "مصطفي الشكعة" -عضو "مجمع البحوث الإسلامية"- كما لخصت مجلة "روزا اليوسف" في عددها الصادر 12 - ديسمبر 2009 رأيه في مشروع القانون الذي تقدم به جبرائيل بقولها: "قال الدكتور مصطفي الشكعة - عضو "مجمع البحوث الإسلامية"-: المسيحيون أحرار في شئون شريعتهم ما لم تصطدم هذه الشريعة مع الإسلام، والإسلام لا يتدخل في شريعة الآخرين، وإنما كل ما يمكن أن نخشاه هو أن يكون التبني لأبناء المسلمين عن طريق اللقطاء.. فالطفل اللقيط غير معروف إن كان ابنًا لمسلم أم لمسيحي!

في رأي الدكتور الشكعة أن أكثر من 90% من السكان والدولة يدينون بشريعة الإسلام، ومن هنا يكون اشترك اللقطاء في دين واحد باستثناء احتمال 5% في الوقت الذي لا يجوز فيه تنصير لقيط تحت مسمي التبني، وبالتالي لا يجوز تبني اللقيط ما لم يكن مثبوتًا أنه ابن لغير مسلم، فيما عدا ذلك فليس في الإسلام ما يمنع تبني المسيحيين لطفل مسيحي، وهذا -بحسب قول الشكعة- سيكون رأي غالبية أعضاء "مجمع البحوث الإسلامية" إذا ما تمت مناقشة مشروع القانون هذا الأسبوع".

ومن ثمَّ فنحن نحذر أشد التحذير من تمرير قانون يبيح تبني النصارى للقطاء، وأن مَنْ يساهم في إقرار ذلك يضع نفسه تحت طائلة قول الله -تعالى-: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة:44).

كما أن هذا القانون حال صدوره بهذه الصورة سيكون مصيره المحتوم -إن شاء الله- عدم الدستورية؛ لمخالفته للمادة الثانية من الدستور، وسيكون -قبل هذا وبعده- ساقط الاعتبار لمخالفته لشرع الله -تبارك وتعالى-، كما أنه يفتح باب سرقة الأطفال، وادعاء أنهم لقطاء؛ لكي يباعوا كما حدث في القضية التي فجرت مشروع هذا القانون، وهذا ينذر بكارثة اجتماعية لا يعلم مداها إلا الله.

ثالثًا: بيان خطورة إقرار التبني بين النصارى على المجتمع المسلم:

ولا يعني النص على أن التأكيد على أن تبني الكافر للقيط في بلاد المسلمين مخالف للشريعة التساهل بشأن تمرير جواز التبني لمعلوم النسب ممن يعلم أنه نصراني؛ وذلك لأنه قد تمنع الدولة بعض المسلمين من بعض المباحات سدًا للذريعة؛ فمنع الكفار متى وجد الخطر من باب أولى، لا سيما وأن التبني في النصرانية ليس تشريعًا منسوبًا للأناجيل التي بين أيديهم، بل هو حكم وضعي كما سنبين -إن شاء الله-؛ مما يستوجب وفق الدولة المدنية التي يتمسكون بها ويقفون حجر عثرة أمام جعلها دولة مسلمة تطبق الشريعة الإسلامية أن يرجعوا فيه إلى "القانون المدني العام".

وقد أبدى عدد من أعضاء "مجمع البحوث الإسلامية" تحفظات عدة على مشروع القانون الذي تقدم به جبرائيل رصدها تقرير لموقع: "إسلام أون لاين" جاء فيه: "اعتبر الدكتور عبد المعطي بيومي -عضو المجمع- أن المشروع "لا يقدم فكرة تبني، وإنما يحمل حيلة؛ لاصطياد هؤلاء الأولاد وبيعهم واستغلالهم فيما بعد لأناس أجانب أو مؤسسات أجنبية".

وبيَّن د. بيومي أن: "سؤال "الأزهر" في هذا المشروع ليس عن التبني، وإنما عن التجارة في الرقيق، ولا ينبغي أن نُخدع بالسؤال، فهم عجزوا في "أفريقيا"، وسرقوا بعض الأطفال من بعض الدول الأفريقية، فهل يليق أن نبلع الطعم ونتحدث عن الموضوع بلغة التبني، يجب أن نكون من الكياسة والفطانة بحيث لا تنطلي علينا الخدعة".

من جهته، أكد الدكتور حامد أبو طالب -عضو المجمع- أن "الإسلام حرم التبني؛ خوفًا من آثاره المستقبلية؛ لأن الرجل إذا تبنى طفلاً ونسبه لنفسه؛ فإن هذا الطفل عندما يكبر يُمنع من زواج نسل هذا الرجل ظلمًا، كما مِنْ الممكن أن يتزوج ممن حرم عليه شرعًا زواجه مما يؤدي إلى اختلاط الجينات، فهذا الشخص الذي تم تبنيه قد يخطئ ويتزوج بأخته الحقيقية مما يؤدي إلى إنجاب نسلاً ضعيفًا".

وتابع د. أبو طالب: "لا يجوز لغير المسلمين المقيمين في البلد الإسلامي الأخذ بالتبني؛ لأنه يخالف النظام العام للمجتمع، ولا يجوز مخالفة هذا النظام في أي دولة من دول العالم، فمثلاً لا يجوز لغير المسلمين طلب منع المساجد من رفع الآذان، فهذا أمر يتعلق بالنظام العام في المجتمع أو أن يطلبوا بعدم خضوعهم لقانون الدولة التي يعيشون فيها، ونحو ذلك".

فيما رأت الدكتورة سعاد صالح، أستاذ الفقه في "جامعة الأزهر"، أن "الأزهر لا يمكن أن يوافق على إتاحة التبني؛ لأنه محرم بنص الشارع"، مؤكدة أن "فتح التبني يفتح معه باب مفسدة كبير من اختلاط الأنساب وضياع حقوق الأقارب في الميراث إلى غير ذلك من الأمور المرفوضة شرعًا". وهذه الاعتراضات ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار عند دراسة هذا القانون.

رابعًا: مناقشة ما استند إليه النصارى القائلين بأن التبني من النصرانية:

يرى بعض النصارى أنه مباح في النصرانية كما عبر عن ذلك بيشوي الملقب بالأنبا في حوار نشره موقع "كوبتريل" جاء فيه هذا السؤال وهذه الإجابة.

في ظل ما تقوم به الجهات الحكومية تجاه من يقوم بعملية التبني من المسيحيين، وتطبيق عليهم الشريعة الإسلامية في حين أن المسيحية لا تجرمها، ومن ذلك يضيع من ورائها العديد وراء القضبان. فما وجهة نظر الكنيسة؟

"منع التبني يكون في المقابل لدى كثير من الفتيات والنساء الإجهاض وقتل الروح فأيهم أفضل قتل روح من إنسانة حملت سفاحًا، أما تعطي الطفل لأسرة لتتبناه وترعاه(1)، وطالما أن الموضوع بهذه الطريقة وهو السجن فما تراه الأم الحقيقية من موت الروح يكون أفضل الطرق لها أما من الناحية المسيحية فهي تسمح بالتبني؛ لأن الله تبنانا، فنقول: "أبانا الذي في السموات"، وكذلك نولد الولادة الجديدة في المعمودية، ونُدعى أبناء الله بالتبني؛ فهو أحد العقائد المسيحية الراسخة(2)، وفي قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين يسمح بالتبني، وكذلك القانون المعدل منه، كذلك الدستور في ملحقاته الذي ينص على أن غير المسلمين يطبق عليهم شرائعهم الخاصة في الأحوال الشخصية.

كذلك نجد في موضوع الميراث يطبق على المسيحيين الشريعة الإسلامية في أن الولد ضعف البنت بالرغم من أن المسيحية تنص على التساوي بينهم، وهذا الموضوع يكون بنفس المقياس مع موضوع التبني فلماذا كل هذا(3)؟ وما هي الموجة الجديدة التي تحدث فنحن عندما كنا في أشد العصور ظلمًا "عصر أنور السادات" لم يكن الوضع هكذا(4)".

وقد أضاف بعضهم مستندًا من "الإنجيل" لقضية التبني، وهو تبنى "يوسف النجار" لعيسى -عليه السلام- ولا ندرى أذهل عنه "بيشوي" أم خشي أن يتطرق إليه في سياق الكلام على أبناء الزنا، وفي الواقع أن الرواية الإنجيلية لقصة ميلاد عيسى -عليه السلام- ونسبته إلى خطيب أمه، وفراره بهما إلى "مصر"، ثم عودته، وما تكرر خلال القصة من ذكر "يوسف النجار" بأنه أبوه ومن مجيء أمه وإخوته إليه؛ ليصب في خانة تصديق الرواية اليهودية بأن "عيسى" -عليه السلام، حاشاه- ابن زنا؛ بخلاف الرواية القرآنية.

وعلى أي فإنه بالنظر إلى هذا الدليل فإننا نجد أن قصة عيسى -عليه السلام- وفقًا للرواية الإنجيلية غير قابلة للقياس عليها لخصوصية حالته، ولخصوصية أمر الملاك لـ"يوسف النجار" أن يضم الغلام إليه -وفق الرواية الإنجيلية-، كما أن دليل التبني العام مِنْ الله لكل أتباع ديانتهم لا ينتهض دليلاً لقياس الإنسان على الله، والإله على الإنسان، ثم هو تبنٍ مجازي لا حقيقي؛ فلا يثبت فيه نسب ولا ميراث، ولا حرمة الزواج من البعض وإباحته من البعض.

فيحصل من ذلك: أن النصرانية ليس لها موقف محدد من التبني، ومِنْ ثمَّ يكون تشريع التبني من الكنيسة تشريعًا مدنيًا تتولاه الكنيسة، وليس تشريعًا إنجيليًّا يُسمح لهم فيه بتطبيق شريعتهم

وقد بين الكاتب النصراني "رفيق حبيب" خطورة هذا المسلك على النظام العام في مقالة نشرت في جريدة "المصريون" بتاريخ 25-5-2010 تحت عنوان: "الأقباط وتفكيك الرابط الثقافي" جاء فيها:

"ولكن الجماعة المسيحية، والتي توافقت على تطبيق شريعتها في "قانون الأحوال الشخصية"، بدأت في محاولة توسيع نطاق تميزها القانوني، وبدأ هذا بمسألة "التبني"، حيث طالب البعض بالسماح للمسيحيين بالتبني، وتسجيل الطفل باسم متبنيه، رغم أن هذا يتعارض مع قواعد سلامة النسب ووضوحه، وهي قواعد ثقافية وحضارية توافق عليها المجتمع المصري، الذي لا يقبل اختلاط الأنساب أو غموضها أو التلاعب بها، ثم تلا ذلك الحديث عن قوانين المواريث، رغم أن الجماعة المسيحية في "مصر"، لم تقل: إن لها شريعة خاصة في المواريث عبر تاريخها الطويل؛ لأنها لم تشأ الالتزام بشريعة "العهد القديم"؛ لذا توافقت على الالتزام بالقانون العام المستمد من الشريعة الإسلامية، والذي يتوافق مع النظام الاجتماعي للأسرة السائد في التقاليد المصرية.

ولكن بعض الأصوات بدأت تطالب بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية على المسيحيين في موضوع المواريث، ولكنها لم تطالب بتطبيق شريعة "العهد القديم" من "الكتاب المقدس" على المسيحيين، بل طالبت بتطبيق قانون يختاره المسيحيين، وكأننا بصدد حالة سوف تقوم الكنيسة فيها بالتشريع للجماعة المسيحية، ولكن ليس حسب شريعة "الكتاب المقدس"، بل حسب ما تراه الكنيسة، وهذا يعني أن الكنيسة قد أصبحت برلمان "الأقباط" غير المنتخب، والذي يتولى التشريع للجماعة المسيحية بعيدًا عن النظام السياسي والسلطة التشريعية، وكأن الكنيسة أصبحت بالفعل دولة داخل الدولة، وهذا في الواقع مرحلة من مراحل فك الارتباط الثقافي والحضاري، وفك الارتباط السياسي، بل وفك روابط المجتمع.

فالشريعة الإسلامية لم تعطي للجماعة المسيحية حق أن تشرع لنفسها، بل أعطت لها حق أن تلتزم بشريعتها في الأحوال الشخصية، وعندئذ تصبح الكنيسة هي الجهة التي تحدد شريعة "الإنجيل"، بما سمح بخروج تشريع لا يأتي من السلطة التشريعية، والتي لا تملك إلا الموافقة على ما رأته الكنيسة معبرًا عن شريعتها المسيحية، وهي حالة لم تتحقق لأي جماعة طبقًا للقوانين الوضعية أو العلمانية، لكن الحادث -الآن- يمثل مرحلة تحاول فيها الجماعة المسيحية تمييز نفسها، وتجد سندًا من الكنيسة أو بعضها، لحد يجعل التوجه العام لدى الجماعة المسيحية يتجه نحو فك الروابط الثقافية مع الجماعة المسلمة، وهذا التوجه يمثل خطرًا على المجتمع، وسوف يجعل "الأقباط" أقلية ثقافية وحضارية في المجتمع، وكأنها جالية خاصة، فتتراجع مكانة الجماعة المسيحية، من كونها مكوّن رئيس في المجتمع المصري، إلى مكون منعزل عن المجتمع؛ فتصبح جماعة خاصة مغلقة".

نخلص من ذلك أن "قانون التبني" لغير المسلمين المزمع تقريره مليء بالقنابل الموقوتة، أشدها خطرًا: إباحة تبني النصراني لمجهول النسب، نسأل الله أن عصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ومن عجيب أمر الكنيسة أنها ترد على من يطلب الطلاق؛ لاستحالة العشرة بينه وبين زوجته أو استحالة العشرة بينها وبين زوجها أنهما لو أحسنا الاختيار ابتداءً؛ لما احتاجا إلى الطلاق! وحاصل الكلام أن سوء اختيارهما ليس له من حل أو خلاص إلا بقتل أحدهما الآخر أو الزنا، ثم يحلون لهم مشكلة الزنا بإباحة التبني، والذي يمكن من خلاله أن يلحق الزاني ثمرة الزنا بنسبه، ويكون عند الكنيسة نسبًا صحيحًا، وأما الطلاق والزواج كما كان أنبياء "العهد القديم" يفعلون -باعترافهم- فلا يقبلونه- فالحمد لله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة-!

(2) إذن النصرانية لا تكتفي بإثبات بنوة عيسى -عليه السلام- لله -تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا-، ولكنهم يضيفون إليها بنوة كل أتباع هذه الديانة، ولكنها في هذه المرة بالتبني؛ فهل نفهم أن بنوة عيسى -عليه السلام- لله -في زعمهم- بالنسب أم بالتبني هي الأخرى أم بطريق ثالث؟! وبناءً على هذا الزعم ألا يكفي اللقيط أن يتنباه الله وما حاجته إلى أن يتبناه أحد من البشر.

(3) لا ندري من أين أتى بهذا الزعم و"العهد القديم" ليس فيه ميراث للبنات أصلاً إلا إذا عدم الأبناء الذكور، و"العهد الجديد" فيه امتناع عيسى -عليه السلام- عن قسمة الميراث حتى بين أخوين، وقد فسرته الكنيسة أن هذا نوع من نفي وجود أي تشريع للميراث في النصرانية؛ هربًا من القول بقانون الميراث في "العهد القديم" الذي بين أيديهم، وأما ادعاء المساواة فهي شريعة "بيشوي".

(4)لا يظهر قادة الكنيسة أي رضا عن أي مكسب يحصلون عليه ولكن يأخذون بكلتا يديهم ويلعنون ويسبون بلسانهم أو على أحسن الأحوال يقولون "هل من مزيد؟!" وفي هذا الوقت الذي يشيدون فيه قلاعًا خاوية على عروشها لا يؤمها في وقت الذروة في منتصف يوم الأحد إلا بضع عشرات من الناس يشتكون من صعوبة بناء الكنائس

وغيرها من الشكاوى الجوفاء ولا أدري لو كان هؤلاء القادة يعيشون في زمن الرومان ماذا كان يمكن أن يقولوا؟

غالب الظن أنهم حينئذ كانوا سيلوذون بالنص الإنجيلي القائل "دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر".