إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 30 مايو 2009 - 6 جمادى الثانية 1430هـ

رؤية تصحيحية لمفاهيم حول الحملة الفرنسية على مصر (4-5)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيزعم العلمانيون أن "مصر" كانت في سبات عميق، وجهل وتخلف، وتأخر كبير قبل مجيء "الحملة الفرنسية" إلى "مصر"، وأن هذه الحملة هي التي أيقظت "مصر" من سباتها، وحرَّكـَتها ودفعتها؛ لتبدأ في الأخذ بأسباب العلم والتقدم والتحضر، فهل هذا التصور هو الحقيقة أم أنه ما يريد أن نظنه هؤلاء العلمانيون حتى نرى في العدوان العسكري الفرنسي الفضل علينا، ونتغاضى عن الشناعات التي ارتكبها "نابليون" وقواده وجنوده، والتي لا يقترفها إلا من عدم العلم والمعرفة والتحضر والقيم، ولا يتغاضى عنها إلا من طـُمس على عقله، وأراد من المجني عليه أن يثني على المجرم الجاني، ويطلب من الضحية أن تشكر من يجزرها ويذبحها بيديه؟!

ولننظر بموضوعية لبعض الجوانب عن "مصر" قبل مجيء "الحملة الفرنسية" إليها:

ففي الوقت الذي كان الرحالة الفرنسيون يستحثون حكومتهم على غزو "مصر"، ويهونون من شأنها لإدارتهم؛ لأغراض استعمارية كان هناك رحالة آخرون زاروا "مصر" وكتبوا عنها، وعما وجدوه فيها بصورة محايدة، فمن هؤلاء الرحالة الألماني "كارستن نيبور"، وهو رحالة شهير، عرف بالنزاهة، وبعده عن الأغراض الاستعمارية على العكس من الرحالة الفرنسيين(1).

قـَدِمَ الرحالة الألماني "نيبور" قبل مجيء "الحملة الفرنسية" بربع قرن(2)، فـ "لم يجد مجتمعًا نائمًا، بل وجد مجتمعًا منعمًا بالحياة والحيوية"(3).

فيقول "نيبور" عن الزارعة في "مصر": "إن الآلات التي تستخدم في ري الأرض بعد انحسار الفيضان هي أجدر الآلات المصرية بالملاحظة والإعجاب، وللمصريين وسائل مختلفة لري الأرض، وإن الحدائق المصرية تمتلئ بكثير من القنوات تـُمكِّن الزارع من ريـِّها جزءً بعد جزء، وقد نـُظِمت القنوات بين مزروعات الحدائق تنظيمًا فنيًّا جميلاً بحيث يبدو تخطيط الحديقة على هيئة مسالك متشابكة يتنزه بين جنباتها الناس، كما جاء عن صناعة النشادر، وربما كان من الممكن صناعة النشادر في "أوروبا" بالطريقة الجيدة الرخيصة المعروفة في "مصر".

كما يبدي "نيبور" انبهاره بمصانع التفريخ بوصفها اختراعًا مصريًّا، وعن الاستيراد والتصدير جاء أن الجلد الخام يعتبر من أهم البضائع التي تصدرها "مصر"، وتقدَّر كمية المُصدَّر منه سنويًا بـ "70" أو "80" ألف قطعة، تصل إلى "مرسيليا" منها 10.000 قطعة من جلود الجاموس الجيدة، تستورد "إيطاليا" كمية أكبر بكثير.

أما "الزعفران والتبل والقطن"(4)، فيقول عن ذلك: "فيتراوح مقدار ما يجنونه عادة من هذه الزهرة -الزعفران- ما يزن "5" أو "18" ألف قنطار يذهب أغلبه أو أفضله إلى "مرسيليا" و"ليفورنيو". وتجارة التبل في "مصر" تجارة عظيمة جدًّا، ويجري تصديره من "مصر" إلى بلاد "البربر"، و"مرسيليا"، و"ليفورنيو"، و"تركيا"، و"سوريا"، و"اليمن"، ومنه أنواع مختلفة. ويصدر أكثر القطن الذي لا تستهلكه البلاد إلى "مرسيليا" و"ليفورنيو".

وحين يصل إلى تجارة "الترانزيت" يؤكد أنه تأتي كل عام في شهور إبريل ويونيو عدة قوافل من "إفريقيا" محملة بثلاثة أنواع من الصمغ، وبسن الفيل، والتمر الهندي، والببغاوات، وتراب الذهب، وتعود القوافل محملة بالخرز، والمرجان، والكهرمان، والسيوف، ومختلف الثياب التي يعدها المصريون مناسبة لذوق هؤلاء الأفارقة، أما عن ثياب النساء فإنه لابد للإنسان من أن يعترف بأن ثياب الشرقيات أفخر بكثير من ثياب الأوروبيات"(5).

وتوضح د. نيللي حنا في كتابها "تجارة القاهرة في العصر العثماني": "إن ظاهرة البيوت التجارية العائلية المشتغلة بالتجارة الدولية كانت معروفة تمامًا"(6)، و"يتنقلون في شبكات تجارية امتدت إلى "آسيا" وسواحل "البحر الأحمر" فـ"إفريقيا" مما يشير إلى عظم التأثير التجاري الذي كان يمكن أن يمثل امتداده الطبيعي تطورًا إيجابيًّا"(7).

و"كانت تصدر نسبة كبيرة من البضائع التي يجلبها من "الهند" إلى بعض مواني "الدولة العثمانية" و"أوروبا" عن طريق "الإسكندرية" و"رشيد" و"دمياط"(8). "بل تشير الوثائق أنه كان للتجار الشرقيين جاليات بـ"البندقية"، و"فيرارة"، و"انكونا"، و"بيزا"، و"نابلي" بما يعني أن المجال الجغرافي كان متسعًا"(9).

كما "أن التجار كانوا يتجهون إلى تسجيل معاملاتهم كتابة وتوثيقها بالمحاكم، وبوجه عام فإن النظام التجاري كان يتسم بالضخامة والتوسع، والمرونة إلى حد بعيد"(10)، "ولقد كانت "مصر" تمضي في تطورها الطبيعي بعيدًا عن رأسمالية الغرب المتربصة"(11)، و"بعيدًا عن المد الغربي الصاعد"(12)، "لقد كان بوسع "مصر" أن تصنع نهضة تقوم على الهوية والوعي -بالذات في الإطار العام- لولا أن جاءت "الحملة الفرنسية" فسعت إلى إجهاض هذه النهضة"(13).

"ويلاحظ أن زراعة السكر للتوريد وصلت إلى درجة بعيدة، ثم امتداد تلك الظاهرة إلى القطن والكتان، كذلك كانت المنسوجات المصرية تـُصدَّر بكميات كبير إلى "الأناضول" و"أوروبا". وحتى منتصف القرن الثامن عشر كانت مصر تصدر كميات كبيرة من التبل إلى فرنسا حيث كانت توزع هناك في البلاد الأوروبية الأخرى"(14).

ولقد برهن على هذا التطور التجاري بيتر جران في كتابه عن "الجذور الإسلامية للرأسمالية في مصر" في تلك الفترة، ومكسيم رودنسون في كتابه عن "الإسلام والرأسمالية"(15).

أما التعليم: فإن "أهم صور التعليم كانت "الكتاتيب" التي كانت منتشرة بشكل واسع قبل قدوم "الحملة الفرنسية" إلى "مصر"، وهو ما يجعل هذه المناطق للتعليم متاحة لأكبر عدد من الأولاد الصغار حيث كانوا يقصدونها؛ لتعليم القراءة والكتابة والحساب"(16).

ويذكر "الجبرتي" -رحمه الله- في "تاريخه": "إنه كانت هناك مدرسة في "علم الفلك" وعلى رأسها: "رضوان أفندي" الفلكي "171م"، وقد أخذ على يديه أغلب المشتغلين بالفلك في "مصر" في القرن الثامن عشر".

ودارس هذه الفترة يلاحظ تقدمًا فائقـًا في علم "الفلك" بوجه خاص، حتى تشير المصادر إلى أن الفلكيين المصريين كانوا بارعين في عملهم، وأنهم استخدموا آلات جديدة استطاعوا أن يطوعوها لعملهم ويضيفوا إليها. وقد بلغ تقدم "الفلك" في "مصر" في نهاية القرن الثامن عشر إلى درجة أن أحدًا لا يستطيع أن يقلل منها. وتزخر تراجم هذه الفترة ومؤلفاتها بعشرات العلماء في هذا العلم وتفوقهم فيه.

و"يذكر "الجبرتي" عددًا كبيرًا من العلماء الذين ألفوا في علوم: الرياضيات، والكيمياء، والطب، والمساحة، وعلم يبحث في خواص الأعداد يسمى "لارتماطيقي"، بل عرف علم الهندسة وشواهده الكثيرة في العمائر الشامخة الراقية فضلاً عن علم الفرائض "المواريث"، وهو يحتاج إلى معرفة واسعة بالرياضيات والفرائض"(17).

"وإذا توقفنا عند علم الرياضيات تحديدًا؛ سنعرف أنه وجد في "مصر" في نهاية القرن الثامن عشر عدد كبير من العلماء الذين ألفوا في هذا العلم"(18)، كما كان "هناك عدد من الطبقات الأرستقراطية عرفوا باهتماماتهم بالرياضة والفلك، ورسم عدة مزاول بـ"الجامع الأزهر"(19).

"وليس من المصادفة في شيء أن يكون الشيخ "حسن العطار" -وكان شيخ مشايخ الأزهر- أكثر علماء عصره تعرفـًا على العلوم العقلية، والحثّ عليها، كثير الأخذ عن علماء عصره من المجددين، كثير الرحلات إلى حيث وجودها، كثير تدريس العلوم العقلية في الأزهر، حاثـًّا تلاميذه على ضرورة الأخذ بالعلوم العقلية، كثير التقرب من الفرنسيين إبان وجودهم في "مصر" والدخول إلى معاملهم، والتعرف على علومهم الحديثة، كما زار المجمع العلمي الفرنسي"(20).

وفي كتاب "وصف مصر" يذكر الباحث الفرنسي "جومار" في بابه عن المساجد أن "الجامع الأزهر" من بين أقدم الجوامع، وموارده ضخمة جدًّا يصرف منها على تزويد مكتبة وتمويل مؤسسة أشبه بالجامعة(21).

"ويسهب "جومار" في الأعداد الهائلة التي كانت تتعلم بـ"الأزهر" حتى تصل إلى اثني عشر ألفـًا -كما يشير- يُطعِمون أكثرهم فيه ويوفر لهم السكن وما إلى ذلك"(22).

"ويُؤمَّه عدد لا يحصى -كما يقول في موضع آخر- من الجنسيات المختلفة، والذين يأتون؛ لتلقي العلم في القاهرة"(23)، "كما يشغل "الجامع" في هذه الفترة رواقـًا مستقلاً للعميان"(24)، "وحين يجيء دور "الكتاتيب" فإنه كان لا يملك غير الثناء على هذه الدور التي تـُمنح الأموال من الأوقاف، والمفاهيم التي كانت تلقن في هذه "الكتاتيب" رغم بساطتها -في تعبيره-؛ فإنها لم تكن تكتفي بالقراءة والكتابة والحساب؛ وإنما -كانت في تقديره- لم تكن غير مدخل إلى التعليم الجامعي أي الذي يُعطى في "الجامع الأزهر" ومدارس أخرى"(25).

وبعد أن يعرض "جومار" "لشكل المبالغ المخصصة للأعمال الخيرية وكيفية تنظيمها ببراعة ودقة من المصريين، يعترف في السطر التالي مباشرة قائلاً: "كانت لدينا في "أوروبا" معلومات خاطئة عن مؤسسات الإحسان عند المشارقة، وعن الإهمال المطلق لحكامهم فيما يخص الإعانات العامة"(26).

ويذكر: "أنه إذا كانت توجد في هذه البلاد ملاجئ مثل هذه الملاجئ التي تعرفها المؤسسات الغربية فإنه كان في "مصر" و"سوريا" ملاجئ للعميان من زمن بعيد"(27).

ويصف "جومار" ذلك بقوله: "وهكذا فقد أعطى لنا المشارقة المثال الأول"(28).

ولما رأى "جومار" الكم الكبير من الأسبلة –جمع: سبيل- وهي من أعمال الخير قال -في تعجب ودهشة-: "لا توجد مدينة أوروبية تحوي هذا القدر من الأسبلة"(29).

ولما رأى العديد من الأديرة والكنائس بـ"مصر" كتب يقول: "وهذه –أيضًا- نقطة لدينا عنها في "أوروبا" أفكار غير مطابقة للحقيقة"(30).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع "حقيقة الغرب: بين الحملة الفرنسية والحملة الأمريكية". د/ مصطفى عبد الغني - مكتبة الأسرة - الهيئة المصرية العامة للكتاب: ص(88).

(2) المصدر السابق: ص(88).

(3) المصدر السابق: ص(88).

(4) المصدر السابق: ص(88-89).

(5) المصدر السابق: ص(89-90).

(6) المصدر السابق: ص(43).

(7) المصدر السابق: ص(43-44).

(8) المصدر السابق: ص(44).

(9) المصدر السباق: ص(44).

(10) المصدر السابق: ص(44-45).

(11، 12) نفس المصدر: ص(45).

(13) المصدر السابق: ص(47).

(14) المصدر السابق: ص(45).

(15) المصدر السابق: ص(41-42).

(16) المصدر السابق: ص(43).

(17) المصدر السابق: ص(51-52).

(18) المصدر السابق: ص(52).

(19) المصدر السابق: ص(52-53).

(20) المصدر السابق: ص(53).

(21) المصدر السابق: ص(110).

(22، 23، 24) المصدر السابق: ص(110).

(25) المصدر السابق: ص(110-111).

(26) المصدر السابق: ص(117).

(27، 28، 29) المصدر السابق: ص(117).

(30) المصدر السابق: ص(118).