الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 13 يوليه 2026 - 28 محرم 1448هـ

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (264) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (4)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال الله -عز وجل-: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ . أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ . وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ . فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (العنكبوت: 16-27)

فيه فوائد:

الفائدة الأولى: دلَّ قوله -تعالى-: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ? ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) على أن التوحيد هو أول واجب على العبيد، وهو أول ما يُبدأ به في الدعوة إلى الله -عز وجل-، وقد بدأ به إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- بتوحيد العبادة؛ لأن معظم شرك الأمم كان فيه، وإن كان شرك قوم إبراهيم في الربوبية أيضًا؛ إذ عبدوا النجوم واعتقدوا تصريفها للكون كما دلَّت عليه آيات سورة الأنعام: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (الأنعام: 74-78)، فدلَّت الآيات على أنه ناظرهم في عبادتهم للنجوم والشمس والقمر، وبطلان ذلك.

ومَن تأمل أحوال الأمم وَجَد أن شرك العبادة يكون مصحوبًا غالبًا بنوع من شرك الربوبية، تسبب في شرك الإلهية، حتى مشركي قريش كان شركهم في الربوبية في الأمر والنهي والتشريع؛ إذ اتبعوا سادتهم وكبراءهم في أعظم أمور التشريع؛ وهو: تشريع الشرك ومخالفة أمر الله بالتوحيد، ثم في التشريعات الأخرى في أولادهم وزروعهم وبهائمهم، وكذا أكثر الأمم تقر ببعض أنواع الربوبية ومعانيها، وإن لم تحقق هذه المعاني في قلوبها، وإلا فلو حققوها لوحَّدوا الله بعبادته وحده لا شريك له.

وأهل الشرك في زماننا بالغلو في الصالحين يعتقدون أنهم يملكون الضر والنفع، بل وبعضهم يثبت لهم الخلق والرزق، والمغفرة للذنوب، وقضاء الحاجات، وكشف الكربات! وهذا كله من شرك الربوبية.

وكذلك يشركون في قضية الملك، فيزعمون أن الأولياء لهم الملك، وبعضهم يغالي أشد الغلو؛ فيقول: "الملك مُلكي، لا شريك لي في الملك" -كما في قصة الشهاوي والمرغني المزعومة-؛ ولذلك وقعوا في شرك الألوهية، فصرفوا العبادات لهؤلاء الأولياء وأضرحتهم -نعوذ بالله من الشرك-.

وأما الأمر بالتقوى بعد العبادة، فهو عطف بيان أو عطف خاص على عام؛ إذ التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تجتنب معاصي الله على نور من الله تخاف عقاب الله، فإذا جعلنا التقوى تشمل عمل القلب واللسان فهو عطف بيان بحقيقة العبادة، وهذا هو الصحيح؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا) (رواه مسلم)، وقال الله -سبحانه وتعالى-: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (الحج: 37)، وقال -عز وجل-: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: 32).

وإذا جعلنا التقوى العمل الظاهر فعلًا وتركًا فهو عطف خاص على عام، والأول هو الصواب. وعلى أي حال فعطف التقوى على العبادة لبيان أن حقيقة العبادة ليست فقط علم القلب وإقراره ومعرفته، بل ولا حتى نيته ونطق اللسان، بل لا بد من تحقيق العبودية في كل حياة الإنسان حتى يحقق التقوى والعبادة؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة". والصحيح أن التروك أيضًا تدخل في ذلك؛ فهي أعمال ظاهرة أو باطنة.

فهذه الآية تتضمن الرد على أهل البدع من غلاة المرجئة القائلين بأن الإيمان هو المعرفة، فأخرجوا العبادة كلها والطاعات الظاهرة، بل والباطنة من الإيمان، وكذلك بالتالي أخرجوا التقوى. ومع أن الأشعري في أول تأسيسه لمذهبه كان مخالفًا للمعتزلة، ينصر قول جهم في الإيمان الذي هو عكس قول المعتزلة تمامًا -ممن يخلِّدون أصحاب الكبائر في النار، ولا يثبتون لهم أصل الإيمان-، فأخذ الأشعري بقول جهم ونَصَره، وقال: "إن الإيمان هو المعرفة"؛ إلا أنه لم يلتزم ما يلزم هذا المذهب الباطل من إيمان إبليس، وفرعون وهامان، وأبي جهل، وأضرابهم، وإنما زعم زوال المعرفة من القلب.

ثم جاء بعد ذلك من المتأخرين المنتسِبين لمذهب الأشعري مَن طَرَدوا المسألة في اليهود والنصارى، وقالوا: إنهم طالما عرفوا الله فهم مؤمنون كاملو الإيمان!

ثم جاءت الصوفية الفلسفية، فقال أتباعها بإيمان إبليس وفرعون! وهذا القول رِدَّة عن الإسلام وخروج من الملة -مهما كان تأويلهم-؛ إذ كفر إبليس وفرعون وهامان ونحوهم، من المعلوم من الدِّين بالضرورة.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.