الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 13 يوليه 2026 - 28 محرم 1448هـ

مغبة أكل الحرام والتمادي فيه

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمما لا شك فيه أن هناك كثيرًا من الناس يحرصون كل الحرص على أكل الحلال وتحريه، إلا أن هناك الكثير من الناس -نتيجة البعد عن تعلم أحكام الدين وجهلهم بها، خاصة أحكام البيوع والمعاملات- يقعون شاءوا أم أبوا في المعاملات والبيوع المحرمة شرعًا؛ كما أن كثيرين يتعمدون أنواعًا من الغش وأكل أموال الناس بالباطل، إلى جانب تعاونهم مع البنوك الربوية، ناهيك عن جرائم السرقة والغصب والاختلاس، وكذلك انتشار تناول المخدرات والخمور.

كل هذه الأمور جعلت كثيرًا من هؤلاء الناس قطعًا ممن يأكلون الحرام ويتوسعون فيه بلا تحرز، وهم لا يبالون ولا يعبؤون بمغبة ذلك عليهم، وعلى من يعولون من الزوجات والأولاد والأقارب؛ إذ يخشى عليهم أن يمتد أثر أكلهم لهذا الحرام الذي قبلوه وارتضوه بلا توبة وإنابة ورجوع عما هم فيه، فيكون سببًا في منع قبول أعمالهم وعباداتهم الصالحة البدنية والمالية والقولية التي يقومون بها ويحرصون عليها، وحرمانهم أجرها وثوابها، مهما اجتهدوا فيها وتعبوا وبذلوا في أدائها، فجمعوا لأنفسهم بذلك -مع وزر أكل الحرام بأنواعه- فَقْدَ ثواب أعمالهم الصالحة؛ فيا لسوء العاقبة التي تنتظرهم، ويا لسوء المنقلب الذي يهرعون إليه! نسأل الله -تعالى- العفو والعافية، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

جاء في الحديث عن الصحابي الجليل أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ -تعالى- طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ -تعالى- أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ). وَقَالَ -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ). ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟) (رواه مسلم).

قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ):

قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "والطيب هنا معناه: الطاهر. والمعنى: أن الله -سبحانه وتعالى- مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها" (جامع العلوم والحكم).

قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا):

يدخل في ذلك الأقوال والأعمال والاعتقادات؛ قال ابن رجب -رحمه الله-: "وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله، فإنه قال بعد تقريره: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ)، فقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (المؤمنون: 51)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (البقرة: 172). والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح، فما كان الأكل حلالًا فالعمل الصالح مقبول، فإذا كان الأكل غير حلال؛ فكيف يكون العمل مقبولًا؟ وما ذكره بعد الدعاء وأنه كيف يقبل مع الحرام فهو مثال لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذي بالحرام" (المصدر السابق).

قول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (المؤمنون: 51):

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير "سورة المؤمنون": "يأمر الله -تعالى- عباده المرسلين -عليهم الصلاة والسلام- أجمعين بالأكل من الحلال والقيام بالصالح من الأعمال؛ فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح. فقام الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- بهذا أتم القيام، وجمعوا بين كل خير قولًا وعملًا ودلالةً ونصحًا، فجزاهم الله عن العباد خيرًا". قال سعيد بن جبير -رحمه الله- والضحاك -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ): يعني الحلال.

وقد قام النبي -صلى الله عليه وسلم- برعي الغنم في صغره، وعمل بالتجارة، وكان داود -عليه السلام- يأكل من كسب يده.

وروى ابن أبي حاتم -رحمه الله- بسنده عن ضمرة بن حبيب -رحمه الله- أن أم عبد الله أخت شداد بن أوس -رضي الله عنه- بعثت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بقدح لبن، وذلك في أول النهار وشدة الحر، فرد إليها رسولها: (أَنَّى كَانَتْ لَكِ الشَّاةُ؟) فقالت: اشتريتها من مالي، فشرب منه. فلما كان من الغد أتته أم عبد الله أخت شداد فقالت: يا رسول الله، بعثت إليك بلبن مرثيةً لك من طول النهار وشدة الحر، فرددت إلى الرسول فيه، فقال لها: (بِذَلِكَ أُمِرَتِ الرُّسُلُ: أَنْ لَا تَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا، وَلَا تَعْمَلَ إِلَّا صَالِحًا).

قول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة: 172):

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يقول -تعالى- آمرًا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم الله تعالى، وأن يشكروه -تعالى- على ذلك إن كانوا عبيده. والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة".

ووصف الله -تعالى- المؤمنين بالطيبين؛ قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ) (النحل: 32)، وورد أن الملائكة تسلم على المؤمنين عند دخول الجنة ويقولون لهم: (طِبْتُمْ) (الزمر: 73). ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال للمؤمن من طيب مطعمه وأن يكون من حلال، فبذلك يزكو عمله.

وقد بيَّن الله -تعالى- في الآية التالية لهذه الآية ما حرم على عباده بقوله -تعالى-: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ? فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ? إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: 173). قال ابن كثير -رحمه الله-: "ولما امتن -تعالى- عليهم برزقه وأرشدهم إلى الأكل من طيبه ذكر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، سواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو عدا عليها السبع".

قال ابن رجب -رحمه الله-: "وقد اختلف العلماء في حج من حج بمال حرام، ومن صلى في ثوب حرام: هل يسقط عنه فرض الصلاة والحج بذلك؟ وفيه عن الإمام أحمد -رحمه الله- روايتان. وهذه الأحاديث المذكورة تدل على أنه لا يتقبل العمل مع مباشرة الحرام، لكن القبول قد يراد به الرضا بالعمل ومدح فاعله والثناء عليه بين الملائكة والمباهاة به، وقد يراد به حصول الثواب والأجر عليه، وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة. فإن كان المراد هاهنا القبول بالمعنى الأول أو الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة، كما ورد أنه لا تقبل صلاة الآبق، ولا المرأة التي زوجها عليها ساخط، ولا من أتى كاهنًا، ولا شرب خمرًا أربعين يومًا. والمراد -والله أعلم- نفي القبول بالمعنى الأول والثاني".

وأضاف ابن رجب -رحمه الله-: "وهو المراد -والله أعلم- من قوله -عز وجل-: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: 27)؛ ولهذا كانت هذه الآية يشتد منها خوف السلف على نفوسهم، فخافوا أن لا يكونوا من المتقين الذين يتقبل الله منهم. وسئل أحمد -رحمه الله- عن معنى المتقين فيها، فقال: يتقي الأشياء فلا يقع فيما لا يحل له" (راجع جامع العلوم والحكم).

قال أبو عبد الله الباجي -رحمه الله-: "خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بمعرفة الله -عز وجل-، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال. فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل، وذلك إذا عرفت الله -عز وجل- ولم تعرف الحق لم تنتفع، وإذا عرفت الحق ولم تعرف الله لم تنتفع، وإن عرفت الله وعرفت الحق ولم تخلص العمل لم تنتفع، وإن عرفت الله وعرفت الحق وأخلصت العمل ولم يكن على السنة لم تنتفع، وإن تمت الأربع ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع".

قال وهب بن الورد -رحمه الله-: "لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك: حلال أو حرام".

التصدق بالمال الحرام:

من اكتسب مالًا بوجه محرم شرعًا ثم تصدق به -أو منه- على مسكين أو محتاج فَتَصَدُّقُهُ هذا غير مقبول، كما في صحيح مسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ) (رواه مسلم). وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بمعناه، ومن لفظ البخاري: (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ -وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ- وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ) (متفق عليه). وفيه أن الصدقة لا تقوم بحجمها، وإنما تقوم بإخلاص صاحبها، وبالمال الذي أخرجت منه، حلالًا كان أو حرامًا.

وسئل ابن عباس -رضي الله عنهما- عمن كان على عمل فكان يظلم ويأخذ الحرام ثم تاب، فهو يحج ويعتق ويتصدق منه، فقال: "إن الخبيث لا يكفر الخبيث". وكذا قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إن الخبيث لا يكفر الخبيث، ولكن الطيب يكفر الخبيث". وقال الحسن -رحمه الله-: "أيها المتصدق على المسكين ترحمه، ارحم من قد ظلمت" (راجع المصدر السابق).

والمتصدق بمال اكتسبه بالحرام بظلم أو سرقة أو غصب أو بيع محرم ونحوه: إما أن يتصدق به عن نفسه فلا تقبل صدقته تلك، ولا يؤجر عليها، بل يأثم بتصرفه في مال غيره بغير إذنه.

وإما أن يتصدق به عن صاحبه الذي أخذ منه هذا المال ثم عجز عن رده إليه أو إلى ورثته، فهذا جائز عند أكثر العلماء، منهم مالك -رحمه الله-، وأبو حنيفة -رحمه الله-، وأحمد -رحمه الله-، وغيرهم. وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهما- أنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه. فإرصاد المال الذي لا يعرف صاحبه للأبد يعرضه للإتلاف أو الضياع أو استيلاء الغير عليه، فيتصدق به، على أن تكون الصدقة عن صاحب المال الذي تعذر إعادة المال إليه، ليكون نفعه له في الآخرة، حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا، كما هو الحال في اللقطة، يجوز التصدق بها بعد التعريف بها سنة وانقطاع صاحبها. والله -تعالى- أعلم. (ينظر في ذلك: جامع العلوم والحكم).

وقول أبي هريرة -رضي الله عنه- في الحديث: (ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟): أشعث الشعر: أغبر، وشعث بدنه: اتسخ، فهو أشعث. والشعر الأشعث: الذي لا يدهن ولا يسرح، ولا يهتم بمظهره.

وأغبر: أي أغبر الثياب، علاه الغبار، والغبار: ما دق من التراب أو الرماد. وجاء في القرآن الكريم قوله -تعالى- في وصف أهل النار: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ . تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ . أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) (عبس: 40- 42).

وفي هذا الحديث إشارة إلى أربعة آداب من آداب الدعاء التي يرتجى معها قبول الدعاء، وهي:

1- السفر: ففيه مظنة حصول انكسار النفس مع طول الغربة وتحمل المشاق، والانكسار بين يدي الله تعالى، وإظهار الافتقار إلى الله -تعالى- والشكوى إليه، بما يرجى معه قبول الدعاء. وفي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ) (رواه ابن ماجه، ورواه أبو داود بلفظ: «دعوة الوالد»، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه).

والمسافر مفارق لوطنه، ويظل مسافرًا حتى يرجع إليه، ودعوة المسافر هي دعوة محتاج غالبًا، كأن يدعو أن ييسر له في سفره، وأن يعينه ويهونه عليه، أو غير ذلك من الدعوات، فإذا احتاج العبد المسافر لأمر ودعا ربه أوشك أن يستجاب له، فالله -تعالى- يستجيب لدعوة المضطر ويستجيب لدعوة المحتاج أكثر مما يستجيب لغيرهما.

2- التبذل في الهيئة واللباس: فهو أشعث الشعر أغبر الثياب، من طول السفر، ووعورة ومشقة الطريق، وربما مع قلة الزاد والمؤونة وقلة ذات اليد. وإظهار المسكنة والخضوع بين يدي الله -تعالى- في الدعاء مطلوب، كما كان خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- لصلاة الاستسقاء متضرعًا متواضعًا متبذلًا، وكما في قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المرفوع: (رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ) (رواه مسلم).

3- رفع اليدين عاليًا يمدهما إلى السماء: ففي حديث سلمان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). ورفع النبي -صلى الله عليه وسلم- يديه في دعاء الاستسقاء حتى رؤي بياض إبطيه.

4- الإلحاح في الدعاء: ومنه تكرار ذكر ربوبيته -تعالى- في الدعاء: (يَا رَبِّ، يَا رَبِّ)، والتوسل بربوبية الله -تعالى- للعباد بين يدي الدعاء في الأدعية القرآنية، وفي أدعية الأنبياء والمرسلين كثير، إذ تفتتح هذه الأدعية غالبًا باسم الرب؛ كقول الله -تعالى-: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة: 201)، وقول الله -تعالى-: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَاعْفُ عَنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا، أَنْتَ مَوْلَانَا، فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة: 286). وقال الله -تعالى-: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا، سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا، رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا، وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ، وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (آل عمران: 191- 194).

ومثل هذا كثير في القرآن الكريم؛ سئل مالك -رحمه الله- وسفيان -رحمه الله- عمن يقول في الدعاء: "يا سيدي"، فقال: "ألا يقول: يا رب". زاد مالك -رحمه الله-: "كما قال الأنبياء".

ورغم وجود هذه الأسباب الأربعة مجتمعة، وهي التي يرجى مع كل واحد منها وقوع إجابة الدعاء، فقد حُرِمَ هذا الداعي إجابة الدعاء بسبب توسعه في الحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية. قال وهب بن منبه -رحمه الله-: "من سره أن يستجيب الله دعوته فليطب طعمته". وورد في الحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: "أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ" (رواه الطبراني، والحديث ضعيف الإسناد صحيح المعنى).

فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع إجابة الدعاء. قال بعض السلف: "لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي".

وقوله في الحديث: (فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟) معناه: كيف يستجاب له؟ فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد.