كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مائة إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).
- ورد اسم الله (العليم) في القرآن الكريم مائة وسبعًا وخمسين مرة: من ذلك قوله -تعالى-: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (البقرة: 32)، وقال -تعالى-: (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنبياء: 4).
- معنى (الْعَلِيمُ) في حق الله -تعالى-: قال صاحب اللسان: "هو الله العالم بما كان وما يكون قبل كونه، وبما يكون وما لم يكن بعد قبل أن يكون، لم يزل عالمًا ولا يزال عالمًا بما كان وما يكون، ولا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، أحاط علمه بجميع الأشياء باطنها وظاهرها، دقيقها وجليلها على أتم الإمكان".
وقال ابن القيم -رحمه الله- في نونيته:
وَهُـوَ الْعَـلِيـمُ أَحَاطَ عِـلْمـًا بِالَّـذِي فِي الْكَوْنِ مِنْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَانِ
وَبِـكُـلِّ شَــيْءٍ عِــلْـمُـهُ سُـبْحَانهُ فَهْوَ الْمُحِيطُ وَلَيْسَ ذَا نِـسْيـَانِ
وَكَـذَاكَ يَعْـلَمُ مَا يَكُونُ غَدًا وَمَـا قَدْ كَانَ وَالْمَوْجـُودَ فِي ذَا الْآنِ
وَكَذَاكَ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَـكـُونُ ذَاكَ الْأَمـْـرُ ذَا إِمـْـكـَانِ
الوقفة الأولى: ذكر بعض متعلقات علم (الْعَلِيمُ) -عز وجل- في خلقه:
أولاً: شمول علم (الْعَلِيمُ) لكل شيء في السماوات وفي الأرض: قال -تعالى-: (عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (سبأ: 3). وقال -تعالى-: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام: 59).
ثانيًا: علم (الْعَلِيمُ) -تعالى- المحيط بمكنونات القلوب، وما تخفيه الصدور، وما توسوس به النفوس: قال -تعالى-: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 29)، وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق: 16).
ثالثًا: علم (الْعَلِيمُ) -سبحانه- لكلِّ الأشياء قبل وقوعها، وأن ذلك في كتاب، وله الحكمة البالغة في تقديرها: قال -سبحانه-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد: 22).
رابعًا: علم (الْعَلِيمُ) -تعالى- ما كان وما يكون وما لم يكن، لو كان كيف يكون: أي: أنه -سبحانه- يعلم الأمور الماضية التي وقعت، والأمور المستقبلية التي لم تقع بعد، ويعلم الأمور التي لن تقع لو فرض أنها تقع كيف تقع، وهذا من كمال علمه بالغيب وعواقب الأمور؛ قال -تعالى-: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49)، وقال -تعالى-: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (التوبة: 47). ولذلك كان الإمام أحمد -رحمه الله- يوصي من يخاصم القدرية بقوله: "حاجوهم بالعلم"، أي: اسألوهم: هل الله -عز وجل- علم بالأشياء قبل وقوعها؟ فإن أقروا خصموا، وإن نفوا العلم كفروا.
خامسًا: هذا العلم الذي يعلمه الإنسان، المحدود من علوم الدين والدنيا، إنما هو من تعليم الله -تعالى- له واختصاصه إياه بالعقل، وقابليته التعلم، وإلا فالإنسان كما قال عنه خالقه -عز وجل-: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: 78). وما أحسن ما وصف به الخضر -عليه السلام- علم الإنسان بالنسبة إلى علم خالقه -عز وجل-، حينما قال لموسى -عليه السلام- وهو يرى طائرًا ينقر في البحر ليأخذ من مائه: (إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ... مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ) (متفق عليه).
الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله -تعالى- باسمه (الْعَلِيمُ):
أولاً: الخوف من الله -عز وجل- وخشيته، ومراقبته في السر والعلن؛ لأن العبد إذا أيقن أن الله -تعالى- عالم بحاله مطلع على باطنه وظاهره، فإن ذلك يدفعه إلى الاستقامة على أمر الله -عز وجل- ظاهرًا وباطنًا، فعند ذلك تزكو أعمال قلبه وجوارحه ويصل إلى مرتبة الإحسان الذي قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) (متفق عليه).
ثانيًا: اليقين بشمول علم الله -تعالى- لكل شيء في السماوات والأرض، وللبواطن والظواهر، يثمر في قلب العبد تعظيم الله -تعالى- وإجلاله والحياء منه.
ثالثًا: إن اليقين بعلم الله -تعالى- للأمور قبل وقوعها وكتابتها عنده -سبحانه- في اللوح المحفوظ قبل خلقها، يثمر في قلب العبد طمأنينة إزاء ما يقضيه الله -تعالى- من الأحكام القدرية كالمصائب والمكروهات التي لم تحدث إلا بعلم الله -تعالى- وحكمته، وأنها ليست عبثًا ولعبًا؛ قال -تعالى-: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51).
رابعًا: التسليم لأحكام الله الشرعية، حيث إنها من لدن عليم حكيم، عليم بما يصلح لعباده ويجلب لهم الخير والسعادة في الدارين فيأمرهم به، وعليم بما يجلب لعباده الشر والشقاء في الدارين فينهاهم عنه ويحذرهم منه؛ قال -تعالى-: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14)؛ ولذا نجد كثيرًا من آيات الأحكام تختم باسميه سبحانه (العليم، الحكيم). وعن جابر -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: (إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي، فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي. قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) (رواه البخاري).
خامسًا: إن يقين العبد بعلم الله -تعالى- الشامل لكل شيء، ومن ذلك علمه سبحانه بحال عبده المصاب وما يقاسيه من الآلام، إن ذلك يثمر في القلب الرجاء والأنس بالله -تعالى- ويدفع اليأس والقنوط من القلب؛ لأن العبد إذا أيقن أن ربه -سبحانه- يعلم حاله ولا تخفى عليه خافية في ليل أو نهار، في بر أو بحر أو سماء، تضرع بين يديه ووجه شكواه إليه: قال -تعالى-: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء: 87- 88).
سادسًا: تثبيت المؤمنين في ميدان الصراع والنزال مع الباطل وأهله. فإذا قصر علم البشر عن العلم والإحاطة بكيد الكافرين ومكرهم فإن الله -عز وجل- لا تخفى عليه من أمورهم خافية، وهو من ورائهم محيط وعليهم قدير، وهذا الإيمان يجعل المؤمن في مواجهة الخصوم وكيدهم يطمئن قلبه، ويقوي ضعفه، ويقبل على مقارعة عدوه غير هياب ولا وجل؛ قال -تعالى-: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) (النساء: 45).
سابعًا: الحرص على التزود من العلم النافع، والتواضع لله -تعالى- وللخلق بهذا العلم، وهذا إنما يتأتى باليقين بأنه لا علم من علوم الدين والدنيا إلا من الله (الْعَلِيمُ)، (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (البقرة: 32).
خاتمة:
في معرفة صفة العلم لله -تعالى- رسالة لكل طائع وكل عامل مجتهد بأن (العليم) مطلع على أعمالك، وسيجازيك على إحسانك إحسانًا، كما قال -تعالى-: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (البقرة: 197)، وقال -تعالى-: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) (البقرة: 270)، وقال -تعالى-: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران: 92)، وقال -تعالى-: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة: 105).
فاللهم عالم الغيب والشهادة، اهدنا لأحسن الأعمال والأحوال، واجعلنا من عبادك الذين سبق في علمك أنهم من أهل الجنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فائدة لغوية حول مشتقات الاسم الكريم: "العليم والعالم" اسمان متضمنان صفة العلم، "فالعالم": اسم الفاعل من علم يعلم فهو عالم، و"العليم" من أبنية المبالغة في الوصف بالعلم، وهو بمنزلة "قدير" من "القادر". و"العلَّام" بمنزلة "عليم" في المبالغة في الوصف بالعلم، إلا أن "علاَّمًا" يتعدى إلى مفعول، وبناء "فعَّال" بناء تكثير وزيادة.