الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 06 يوليه 2026 - 21 محرم 1448هـ

(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) (من تراث الدعوة) (3)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

آمن السحرة بالله -عز وجل-، (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) (الأعراف:120)، وهنا وَجَد فرعون شيئًا يشغل به الناس فقال: (آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (الأعراف:123)، فما الذي طلبه موسى -عليه السلام-؟ لم يطلب إلا أن يخرج معه بنو إسرائيل، وأن يؤمن فرعون وقومه ويُتركوا في ملكهم وعيشهم الذي يفتخرون به، فهو يريد أن ينقذ المستضعفين؛ ما أراد أن يخرج فرعون والمصريين من بلادهم... فأين كان هذا المكر -المزعوم!- من موسى -عليه السلام- كما ادعى فرعون الكذاب المفتري؟! وأين كان السحرة قبل أن يجمعهم فرعون حتى ينتصر موسى عليهم؟!

ففرعون يكذب، ويعلم أنه يكذب، وجنوده يعلمون أنه يكذب، وهامان يعلم أنه يكذب، ومع ذلك يُتبع! كما ترون الباطل يُتَّبَع، وكما ترون الإلحاد يُتَّبَع، وكما ترون الشرك واليهودية والنصرانية وعبادة الأوثان تُتَّبَع بعد ظهور الحق الواضح في دين الإسلام، وكما ترون الخرافة تُتَّبَع، وكما ترون عبادة الأموات تُتَّبَع، وكما ترون اللجوء لغير شرع الله يُتَّبَع، وكما ترى موالاة أعداء الله واتباع كيدهم تُتَّبَع. نسأل الله أن يثبتنا على الحق.

(قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ , لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ . قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ . وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) (الأعراف:123-126).

قال ابن عباس -رضي الله عنهما- عن السحَرة: كانوا أول النهار سحَرة، وآخر النهار شهداء بَرَرَة، وسبحان الله؛ وَجَد فرعون من يطيعه في تقطيع أيدي السحَرة وأرجلهم، وفي صَلبهم على جذوع النخل!

وانظر حالهم، وتأمَّل والمسامير تخرق أيديهم وأرجلهم على جذوع النخل، وهم يراهم عشرات الألوف من البشر يُقتلون بهذه القتلة الشنيعة ويُعذَّبون بذلك- ودماؤهم تنزف، ولا يستطيع أحدٌ مِن الخَلق أن ينقذهم، لأنهم آمنوا فقط! لم يريدوا مُلكًا ولا سلطانًا، ولكن كلمة واحدة قالوها: (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ).

ما نَقِم فرعون منهم إلا أنهم آمنوا بآيات ربهم!

وثبت السحَرة، وصار ذلك آية للمسلمين.

والله -عَزَّ وَجَلَّ- أراد في هذا اليوم من أيام الله -وهو قادرٌ سُبْحَانَهُ أن يجعل ذلك الثعبان المبين يأكل فرعون ويبتلعه كما ابتلع مئات الآلاف من الثعابين الوهمية من الحبال والعصي، وكان قادرًا سُبْحَانَهُ أن يأخذ فرعون في تلك اللحظة التي ظلم فيها، ولكنه يمتحن العباد- أن يتخذ منهم شهداء يظلون على الدوام قدوة صالحة لأهل الإيمان؛ شهداء ضحوا بحياتهم وما كانوا يريدون الأجر والقرب من فرعون، ضحوا بذلك كله ورضوا بالقرب من الله والشهادة في سبيل الله.

وليَعلم الناس أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

تركها -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لفرعون أيامًا معدودة، ونفذَ أمر فرعون، وقُتل السحرة شهداء عند الله.

والعجب أن فرعون صُرِف قلبه رغمًا عنه، ورغمًا عن تحريض المجرمين على موسى؛ صرف قلب فرعون عن أن يقتل كبير السحرة -في زعمه-؛ أليس كبير المؤامرة هو الأولى بأن يقتل؟! أليس هو الذي مكر هذا المكر وهو الذي عَلَّمَهم السحر -كما زعم فرعون!-؟! أليس هو الأولى بأن يقتل أولاً؟! لكن تَرَكه فرعون؛ لأنه كان يخافه ويرعب منه، ويرى ويعلم أن هذه الآيات أنزلها رب السموات والأرض بصائر؛ (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) (الإسراء:102).

فسبحان الله على تقليب قلوب العباد، وعلى السلطان الذي يجعله الله لعباده المؤمنين -سلطان الحجة وسلطان الحفظ-؛ (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) (القصص:35).

بآيات الله ننتصر، وبالوحي نغلب، وبما أيد الله رسله الكرام وأولياءه الصالحين نسير على دربهم: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55).