كتبه/ وائل عبد القادر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإنَّ من علامات التوفيق للعبد المسلم أن يوقن بكفاية هذا الدين وشموله وعمومه، وكونه شافيًا وافيًا كافيًا، معالجًا لكلِّ أموره وأحواله، موقنًا أنَّ في اتباعه سعادته الأبدية في الآخرة وفلاحه المستدام في الدنيا.
ولهذا اليقين عند المسلم أسباب؛ أعلاها وأعظمها: أنَّ الله -تعالى- هو الذي أقرَّ أعيننا بإكمال هذا الدين القويم، وتكفل بذاته العلية بحفظ وإتمام هذه النعمة العظيمة، فقال -عز وجل-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "هذه أكبر نعم الله -تعالى- على هذه الأمة، حيث أكمل -تعالى- لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم -صلوات الله وسلامه عليه-، ولهذا جعله الله -تعالى- خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خُلف، كما قال -تعالى-: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) (الأنعام: 115) أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلمَّا أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة؛ ولهذا قال -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) أي: فارضوه أنتم لأنفسكم؛ فإنه الدين الذي أحبه الله ورضيه، وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه" (انتهى).
أمَّا في السُّنة فقد ثبت الجزاء الحسن والثواب الجميل لمن رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا، فقال ذلك بلسانه واعتقد وأيقن بقلبه؛ فأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا).
وعنه أيضًا: عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ).
قال الإمام النووي -رحمه الله-: "قال صاحب التحرير: معنى رضيت بالشيء: قنعت به واكتفيت به ولم أطلب معه غيره، فمعنى الحديث: لم يطلب غير الله -تعالى-، ولم يسع في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولا شك في أنَّ من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه وذاق طعمه. وقال القاضي عياض: معنى الحديث: صح إيمانه واطمأنت به نفسه وخامر باطنه؛ لأنَّ رضاه بالمذكورات دليل لثبوت معرفته ونفاذ بصيرته ومخالطة بشاشته قلبه؛ لأنَّ من رضي أمرًا سهل عليه، فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهل عليه طاعات الله -تعالى- ولذت له".
فقوله: (رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا): أي: رضيت به إلهًا ورضيت به ربًّا، فأنت رضيت عن الله -تبارك وتعالى- إلهًا عظيمًا فتوجهت إليه بكل أنواع العبادة، فلم تصرف شيئًا منها لغيره -عز وجل-؛ لأنه المعبود بحق وهو إله الصدق.
ورضيت به ربًّا، أي: خالقًا ورازقًا، ومدبرًا وحاكمًا وآمرًا، وناهيًا وسيدًا، ومالكًا ومشرعًا، وكذا رضيت بقضائه وقدره في كل ما قضاه عليك مما تحب ومما تكره.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.