كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعن أبي ثعلبة الخُشَنِي -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا) (رواه الدارقطني، وحسنه النووي -رحمه الله- في رياض الصالحين برقم: 1832، وحسنه الحافظ أبو بكر السمعاني -رحمه الله- في أماليه، وحسنه شعيب الأرناؤوط بشواهده، وله طرق يقوي بعضها بعضًا، ورواه بنحوه الحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن الكبرى، والطبراني، وقد ضعفه الألباني -رحمه الله-).
وقد جمع هذا الحديث أصولًا وفروعًا للدين، وذلك أن أحكام الله -تعالى- أربعة أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ومسكوت عنه، فهذه أحكام الدين كلها، ومن عمل بها فقد أوفى حقوق الدين؛ لأن الشريعة لا تخرج عن هذه الأقسام المذكورة.
قال الحافظ أبو بكر السمعاني -رحمه الله-: "هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين وفروعه". وأضاف: "من عمل بهذا الحديث فقد حاز الثواب وأمن من العقاب؛ لأن من أدى الفرائض واجتنب المحارم ووقف عند الحدود وترك البحث عما غاب عنه، فقد استوفى أقسام الفضل، وأوفى حقوق الدين؛ لأن الشرائع لا تخرج عن هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث".
فأما الفرائض: فهي ما فرضه الله -تعالى- على عباده وألزمهم القيام به: كالصلاة والزكاة والصيام والحج، ويأثم من يتركه ويعاقب عليه. وقد يرد الواجب في الشرع على ما لا يأثم ولا يعاقب عليه بتركه، كغسل يوم الجمعة عند الأكثرين، فيكون المراد بإطلاق لفظ الواجب عليه المبالغة في الحث على فعله وتأكيده.
وأما المحارم: فهي التي حماها الله -تعالى- ومنع من قربانها وارتكابها وانتهاكها. فما ورد التصريح بتحريمه في الكتاب والسنة فهو محرم. وقد يستفاد التحريم من النهي مع الوعيد والتشديد، كما في قول الله -تعالى- في تحريم الخمر والميسر: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة: 90- 91).
وأما حدود الله التي نهى الله -تعالى- عن اعتدائها، فقال فيها ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "فالمراد بها جملة ما أذن الله في فعله، سواء عن طريق الوجوب أو الندب أو الإباحة، واعتداؤها: هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نهى عنه، كما قال -تعالى-: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (الطلاق: 1)، والمراد: من طلق على غير ما أمر الله به وأذن فيه.
وقال -تعالى-: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: 229)، والمراد: مَن أمسك بعد أن طلق بغير معروف أو سرح بغير إحسان، أو أخذ مما أعطى المرأة شيئًا على غير وجه الفدية التي أذن الله فيها.
وقال -تعالى-: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (النساء: 13- 14)، والمراد: من تجاوز ما فرضه الله للورثة ففضل وارثًا وزاد في حقه أو نقصه منه" (راجع جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي).
والمراد أن من لم يجاوز ما أذن الله -تعالى- فيه إلى ما نهى عنه فقد حفظ حدود الله، ومن تعدى ذلك فقد تعدى حدود الله. وقد مدح الله -تعالى- الحافظين لحدوده، وذم من لا يعرف حد الحلال من الحرام؛ كما قال الله -تعالى-: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) (التوبة: 97).
قال ابن رجب -رحمه الله-: "وقد تطلق الحدود ويراد بها نفس المحارم، وحينئذٍ يُقَال: لا تقربوا حدود الله، كما قال -تعالى-: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) (البقرة: 187)، والمراد: النهي عن ارتكاب ما نهى عنه في الآية من محظورات الصيام والاعتكاف في المساجد، ومن هذا المعنى -وهو تسمية المحرم حدودًا- قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ...) الحديث المشهور. وأراد بالقائم على حدود الله المنكر للمحرمات والناهي عنها" (المصدر السابق).
ونص الحديث المذكور: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ، وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا) (رواه البخاري).
وقال ابن رجب أيضًا: "وقد تُسمى العقوبات المقدرة الرادعة عن المحارم المغلظة حدودًا، كما يقال: حد الزنا، وحد السرقة، وحد شرب الخمر. ومنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأسامة: (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ) يعني: في القطع في السرقة. وهذا هو المعروف من أسماء الحدود في اصطلاح الفقهاء" (المصدر السابق).
(وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ): أي الأمور التي لم يرد فيها نص بالتحريم أو الوجوب؛ فالأصل فيها الإباحة والعفو. قال ابن رجب -رحمه الله-: "وأما المسكوت عنه فهو ما لم يذكر حكمه بتحليل ولا إيجاب ولا تحريم، فيكون معفوًّا عنه، لا حرج على فاعله".
تنبيهان:
1- قال ابن رجب -رحمه الله-: "ولكن مما ينبغي أن يعلم أن ذكر الشيء بالتحليل والتحريم مما قد يخفى فهمه من نصوص الكتاب والسنة، فإن دلالة هذه النصوص قد تكون بطريق النص والتصريح، وقد تكون بطريق العموم والشمول، وقد تكون دلالته بطريق الفحوى والتنبه، كما في قوله -تعالى-: (وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا) (الإسراء: 23)، فإن دخول ما هو أعظم من التأفيف من أنواع الأذى يكون بطريق الأولى، ويسمى ذلك مفهوم الموافقة".
وأضاف: "وقد تكون دلالته من باب القياس، فإذا نص الشارع -صلى الله عليه وسلم- على حكم في شيء لمعنى من المعاني، وكان ذلك المعنى موجودًا في غيره، فإنه يتعدى الحكم إلى كل ما وجد فيه ذلك المعنى عند جمهور العلماء، وهو من باب العدل والميزان الذي أنزله الله وأمر بالاعتبار به؛ فهذا كله مما يعرف به دلالة النصوص على التحليل والتحريم. فأما ما انتفى فيه ذلك كله فهنا يستدل بعدم ذكره بإيجاب أو تحريم على أنه معفو عنه".
2- قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-: "وفي قوله: (وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ) دليل على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الله يتكلم بصوت مسموع؛ لأن السكوت هو ضد الكلام، وهو -جل وعلا- يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء، لا نعلم كيف يتكلم، ولا نعلم متى يتكلم، ولا نعلم بماذا يتكلم، لكن نؤمن بأنه إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون؛ ولهذا لا تحصى كلمات الله -عز وجل-. قال الله -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) (لقمان: 27)، وقال -عز وجل-: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (الكهف: 109)" (راجع شرح رياض الصالحين للعثيمين).
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (رَحْمَةً لَكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ): يعني أنه سكت عن ذكرها رحمة بعباده ورفقًا، حيث لم يحرمها عليهم حتى يعاقبهم على فعلها، ولم يوجبها عليهم حتى يعاقبهم على تركها، بل جعلها عفوًا، فإن فعلوها فلا حرج عليهم، وإن تركوها كذلك. قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (مريم: 64)، وقال تعالى: (فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) (طه: 52).
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا) يحتمل:
- اختصاص هذا النهي بزمن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن كثرة السؤال عما لم يذكر قد يكون سببًا لنزول التشديد فيه بإيجاب أو تحريم.
- أن يكون النهي عامًّا؛ فإن كثرة البحث والسؤال عن حكم ما لم يذكر في الواجبات ولا في المحرمات، قد يوجب اعتقاد تحريمه أو إيجابه لمشابهته بعض الواجبات أو المحرمات، فقبول العافية فيه وترك البحث عنه والسؤال خير. وقد يدخل في ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) قالها ثلاثًا (رواه مسلم). والمتنطع: هو المتعمق البحاث عما لا يعنيه.
قال ابن رجب -رحمه الله-: "والتحقيق في هذا المقام -والله أعلم- أن البحث عما لم يوجد فيه نص خاص أو عام على قسمين:
أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالات النصوص الصحيحة من الفحوى والمفهوم والقياس الظاهر، فهذا حق، وهو مما يتعين فعله على المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية.
والثاني: أن يدقق الناظر نظره وفكره في وجود الفروق المستبعدة، فيفرق بين متماثلين بمجرد فرق لا يظهر له أثر في الشرع مع وجود الأوصاف المقتضية للجمع، أو يجمع بين متفرقين بمجرد الأوصاف الطارئة التي هي غير مناسبة، ولا يدل دليل على تأثيرها في الشرع، فهذا النظر والبحث غير مرضي ولا محمود، مع أنه قد وقع فيه طوائف من الفقهاء" (راجع جامع العلوم والحكم).
فائدة:
ومما يدخل في النهي عن التعمق والبحث عنه أمور الغيب الخبرية التي أمرنا بالإيمان بها، ولم يبين كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العالم المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يعني، وهو مما ينهى عنه، وقد يوجب الحيرة والشك ويرتقي إلى التكذيب، وقد قال -عز وجل-: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (الإسراء: 44)، ولا يجوز أن يقال: كيف تسبيح القصاع والثياب المنسوجة والخبز؟ فكل ذلك قد صح العلم أنهم يسبحون الله -تعالى-، فذلك إلى الله -تعالى-، يجعل تسبيحهم كيف شاء، وكما شاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك إلا بما علموا، ولا يتكلموا في هذا وشبهه إلا بما أخبر به الله -تعالى-، ولا يزيدوا على ذلك.
ومما يدخل في المنهي عنه كثرة السؤال تعنتًا، خاصة عما لا يحتاج إليه أو لم يقع بعد، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) (متفق عليه).
ويقرب من ذلك السؤال عما أخفاه الله -تعالى- عن عباده ولم يطلعهم عليه، كالسؤال عن وقت الساعة، والسؤال عن الروح، وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) (متفق عليه). وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. (متفق عليه).
وقد يرى البعض أن ذلك كان مختصًّا بزمن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما يُخشى حينئذٍ من تحريم ما لم يحرم أو إيجاب ما يشق القيام به، وهذا قد أمن بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم-، ولكن -والله أعلم- ليس ذلك وحده السبب في كراهة تلك المسائل؛ إذ إن جميع ما يحتاج إليه المسلمون في دينهم قد بينه الله -تعالى- في كتابه، وبلغ ذلك رسوله -صلى الله عليه وسلم- عنه، فلا حاجة بعد هذا لأحدٍ في السؤال، فكل ما فيه هداية العباد ونفعهم قد بيَّنه الله -تعالى- ابتداءً من غير سؤال من العباد، كما قال -تعالى-: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (النساء: 176). وعليه فلا حاجة إلى السؤال عن شيء، ولا سيما قبل وقوعه والحاجة إليه، وإنما الحاجة المهمة تكون إلى فهم ما أخبر الله -تعالى- به ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ثم اتباع ذلك والعمل به.
قال ابن رجب -رحمه الله- في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ): "فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما ينهى عنه، فيكون همه مصروفًا بالكلية إلى ذلك لا إلى غيره. وهكذا كان حال أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع من الكتاب والسنة. فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع، فإن هذا مما يدخل في النهي، ويثبط عن الجد في متابعة الأمر" (راجع المصدر السابق).
ولهذا المعنى كان كثير من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبل وقوعها ولا يجيبون عن ذلك. خرج عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على الناس فقال: "أحرج عليكم أن تسألونا عما لم يكن، فإن لنا فيما كان شغلاً". وكان زيد بن ثابت -رضي الله عنه- إذا سئل عن شيء يقول: "أكان هذا؟" فإن قالوا: لا، قال: "دعوه حتى يكون". وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أنه قال: "يا أيها الناس، لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فيذهبكم هاهنا وهاهنا، فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد، أو قال: وفق".
قال ابن رجب -رحمه الله-: "وقد انقسم الناس في هذا الباب قسمين: فمن أتباع أهل الحديث مَن سدَّ باب المسائل حتى قل فهمه وعلمه لحدود ما أنزل الله على رسوله، وصار حامل فقه غير فقيه. ومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل قبل وقوعها، ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك وكثرة الخصومات فيه والجدال عليه، حتى يتولد من ذلك افتراق القلوب ويستقر فيها بسببه الأهواء والشحناء والعداوة والبغضاء، ويقترن ذلك كثيرًا بنية المغالبة وطلب العلو والمباهاة وصرف وجوه الناس، وهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلت السنة على قبحه وتحريمه. وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله وما يفسره من السنن الصحيحة وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وفهمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ومسائل الحلال والحرام وأصول السنة والزهد والدقائق وغير ذلك. وهذا هو طريق الإمام أحمد -رحمه الله- ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين، وفي معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث من الرأي ما لا ينتفع به ولا يقع، وإنما يورث التجادل فيه كثرة الخصومات والجدال وكثرة القيل والقال" (راجع المصدر السابق).
وأضاف ابن رجب -رحمه الله-: "واعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة إنما هي من ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله واجتناب نواهي الله ورسوله، فلو أن من أراد أن يعمل عملاً سأل عما شرعه الله في ذلك العمل فامتثله، وعما نهى فاجتنبه، وقعت الحوادث مقيدة بالكتاب والسنة. وإنما يعمل العامل بمقتضى رأيه وهواه، فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله، وربما عسر ردها إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة لبعدها عنها. وفي الجملة: فمَن امتثل ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث وانتهى عما نهى وكان مشتغلاً بذلك عن غيره حصل له النجاة في الدنيا والآخرة، ومن خالف ذلك واشتغل بخواطره وما يستحسنه وقع فيما حذر منه النبي -صلى الله عليه وسلم- من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم" (راجع المصدر السابق).