كتبه/ محمد صادق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فليس كلُّ مَن انتقد قد هدم، وليس كل مَن صمت يُعَدُّ بنَّاءً؛ فالبناء نية، ووعي، وفعل. أمَّا الهدم، فقد يحدث بكلمة، أو بسخرية، أو بتشكيك دائم لا يحمل بديلًا في المجتمع.
ولا تُقاس الخطابات بما تكشفه من أخطاء فحسب، بل بما تتركه وراءها بعد الكشف.
البناء رؤية تُصلِح ولا تكتفي بالإدانة:
البناء يعني أن ترى الخلل وتقترح طريقًا، وأن تنتقد دون أن تُحَقِّر، وأن تُصْلِح دون أن تُقْصِي. العقل البنَّاء يفرِّق بين الفكرة وصاحبها، ويكشف الخطأ ليُعالجه، لا ليُستثمَر في صراع. البناء لا يُجَمِّل الواقع، لكنه لا يُدَمِّره باسم الحقيقة.
نفسيًّا.. لماذا يُغري الهدم؟
الهدم يُغري؛ لأنه أسهل من البناء، وأسرع في الانتشار، ويمنح شعورًا زائفًا بالقوة. هو لا يحتاج صبرًا، ولا فهمًا عميقًا، ولا تحمُّلًا لمسؤولية النتائج؛ إذ يكفي فيه غضب، أو سخرية، أو نبرة اتهام، لكنَّ الثمن باهظ: إحباط عام، وفقدان للثقة، وتراكم للشعور بالعجز. الهدم يُفَرِّغ المجتمع من الأمل، ثم يتساءل: لماذا لا يتغير شيء؟
الهدم ليس شجاعة:
تصحيح ضروري.. الهدم لا يعني الجرأة، ولا الصدق، ولا الوعي. الهدم غالبًا هو تهوين مستمر، وتشكيك بلا أفق، وتحطيم للمعنويات. الشجاعة هي أن تشير إلى الخطأ، وأنت مستعد لتحمُّل كلفة الإصلاح.
حين يسود خطاب الهدم:
في المجتمع: يتآكل الأمل، ويشيع الاحتقار، وتضيع المبادرات. وفي الخطاب العام: يُكافَأ الصراخ، ويُهَمَّش العمل، ويُتَّهَم كل مصلح بالسذاجة. الهدم المتواصل لا يُنتج وعيًا، بل يُنتج ثقافة إحباط.
البناء لا يعني التبرير:
تنبيه مهم: البناء ليس تبريرًا للفساد، ولا تمييعًا للأخطاء، ولا مجاملة للواقع. البناء مواجهة صادقة، بلغة مسؤولة، وأفق قابل للحياة. أمَّا الهدم، فيفضح ثم يرحل، ويترك خلفه الركام.
وقفة صادقة:
اسأل نفسك: هل ما أكتبه يفتح بابًا أم يغلقه؟
هل أشير إلى الخطأ لأصلحه أم لأسقطه؟
هل أترك أثر أمل أم أترك رمادًا؟
لو انتشر خطابي، ماذا سيحدث للناس؟
هذه الأسئلة لا تُقَيِّد الصدق، بل تمنحه معنى.
ختامًا:
البناء نور يُعيد الثقة، ويُبقي المجتمع واقفًا رغم الجراح. أمَّا الهدم، فيُشعرك بالقوة لحظةً، ثم يتركك وسط أنقاض لا أحد يعرف كيف ينهض منها.