الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 13 يوليه 2026 - 28 محرم 1448هـ

هل النبي -صلى الله عليه وسلم- يُرَى يقظة بعد وفاته؟ (1)

كتبه/ عصام حسنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن من مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة: إثبات رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام، ونفي رؤيته في اليقظة بعد وفاته.

ومسائل الاعتقاد مبناها على التوقيف؛ فلا يجزم بنفي شيء أو إثباته إلا بدليل يصح الاعتماد عليه.

ولم يَرِد في الكتاب ولا في السنة ما يدل على إثبات رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد موته يقظة، ولم يدَّعِ ذلك أحد من الصحابة -رضي الله عنهم-؛ فلو كانت رؤيته -صلى الله عليه وسلم- يقظة ممكنة، لكان الصحابة أولى بها، لا سيما مع شدة حاجتهم إليها؛ ليقطع لهم الخلاف في النوازل التي وقعت بينهم.

ومن أبرز ذلك:

اختلاف المهاجرين والأنصار -رضي الله عنهم- في الخلافة، وقد وقع بينهم خلاف في ذلك قبل الفراغ من دفنه -صلى الله عليه وسلم-، فلو ظهر لهم وأخبرهم أن الخليفة من بعده هو أبو بكر -رضي الله عنه- لانقطع النزاع والاختلاف.

وما وقع من اختلاف بين أبي بكر وفاطمة -رضي الله عنهما- على الميراث، مع اشتداد حزنها على أبيها -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته.

والخلاف الذي وقع بين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- في قتال مانعي الزكاة، وكذلك ترددهما في مسألة جمع المصحف، حتى قال أبو بكر -رضي الله عنه- قولته المشهورة التي هي قاعدة من قواعد الاتباع: "كيف أفعل أمرًا لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟".

وما وقع من خلاف بين طلحة والزبير وعائشة -رضي الله عنهم- من جهة، وبين علي -رضي الله عنه- من جهة أخرى، حتى وقعت "وقعة الجمل".

وكذلك خلاف علي مع معاوية -رضي الله عنهما-.

في كل هذه الملمات وغيرها لم يُروَ عن أحدٍ من الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم رأوا النبي -صلى الله عليه وسلم- يقظة ليفصل بينهم فيها، فكيف يظهر -صلى الله عليه وسلم- لمن هم دونهم منزلة وتقوى؟

الأدلة من القرآن الكريم:

دَلَّ القرآن الكريم بوضوح على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد مات كغيره من البشر؛ قال -تعالى-: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر: 30)، وقال -تعالى-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) (آل عمران: 144).

وهذه الآية الكريمة هي التي تلاها أبو بكر -رضي الله عنه- على الصحابة لما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهم بين باك ومستنكر، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- غائبًا بالسنح عند زوجته، فلما جاء كشف عن وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبله وبكى وقال: "ما أطيبك حيًا وميتًا يا رسول الله، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها"، ثم صعد المنبر وقال: "أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، فلما تلا الآية تيقن الناس موته -صلى الله عليه وسلم-، حتى برك عمر -رضي الله عنه- على ركبتيه من هول الصدمة.

ثم غسِّل وكفِّن ودُفِن -صلى الله عليه وسلم-.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.