الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 23 مارس 2025 - 23 رمضان 1446هـ

معارك حاسمة في رمضان (4)

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فمن المعارك الحاسمة التي وقعت في شهر رمضان المبارك:

معركة شَقْحَب -مَرْج الصُّفَّر- (رمضان 702هـ):

لقد سطر التاريخ عبر صفحاته المشرقة انتصارًا عظيمًا في شَقْحَب -موضع قرب دمشق، وهي قرية صغيرة قبلي دمشق، تبعُد عن دمشق (37) كيلو مترًا تقريبًا-، فشقحب من المعارك الفاصلة والفتوحات العظيمة في التاريخ الإسلامي، ولقد لعب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- دورًا عظيمًا خلال هذه المعركة.

وقد وقعت هذه المعركة بين المماليك بقيادة السلطان محمد بن قلاوون، سلطان مصر والشام، وبين التتار والصليبيين؛ حيث تحالف التتار مع الصليبيين في هذه المعركة، مما شكل خطورة بالغة على بلاد الشام، وقد أراد التتار بهذا التحالف وهذه الحملة العسكرية أن يسيطروا على بلاد الشام، وأن يسقطوا دولة المماليك، علمًا بأن الخليفة العباسي المستكفي بالله كان مقيمًا وقتها بمدينة القاهرة، ومن المعلوم أنه بعد سقوط الدولة العباسية على يد التتار عام 656هـ، كان الخليفة العباسيى مقره دومًا بالقاهرة.

وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله تعالى- تفاصيل ما جرى من أحداث ومعارك يوم شقحب، ونحن نذكر ما رواه ابن كثير باختصار وتصرف: ففي شهر رجب عام 702هـ، قويت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فانزعج الناس لذلك واشتد خوفهم جدًا، وقنت الخطيب في الصلوات، وقرئ صحيح البخاري، وفي يوم السبت عاشر شعبان ضربت البشائر بالقلعة وعلى أبواب الأمراء بخروج السلطان بالعساكر من مصر لمناجزة التتار المخذولين، وفي ثامن عشر قدمت طائفة كبيرة من جيش المصريين فيهم الأمير ركن الدين بيبرس، ثم قدمت بعضهم طائفة أخرى فيهم بدر الدين -أَمِيرُ سِلَاحٍ-، وَأَيْبَكُ الْخَزِنْدَارُ، فقويت القلوب واطمأن كثير من الناس، وقد كان التتار قد وصلوا وعاثوا في تلك الأراضي فسادًا، وقلق الناس قلقًا عظيمًا، وخافوا خوفًا شديدًا.

وفي الخامس من شعبان تقهقر الجيش الحلبي والحموي إلى حمص، ثم خافوا أن يدهمهم التتر فجاءوا فنزلوا المرج، وقال الناس: لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار لكثرتهم، وتحدث الناس بالأراجيف، فاجتمع الأمراء بالميدان وتحالفوا على لقاء العدو، وشجعوا أنفسهم، ونودي بالبلد أن لا يرحل أحد منه، فسكن الناس وجلس القضاة بالجامع وَحَلَّفُوا جَمَاعَةً من الفقهاء والعامة على القتال، وتوجه الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى العسكر الواصل من حماة، فاجتمع بهم وأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وَحَلَفُوا معهم، وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يحلف للأمراء والناس إنكم في هذه الكرة منصورون، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول "إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا".

وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله؛ منها: قوله -تعالى-: (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ) (الحج: 60).

وقد تكلَّم الناس في كيفية قتال هؤلاء التتر، فإنهم يظهرون الإسلام، وليسوا بغاة على الإمام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه، فقال الشيخ تقي الدين: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية، ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء والناس لذلك، وكان يقول للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، فتشجع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم ونياتهم -ولله الحمد-.

وفي أواخر شعبان اجتمعت العساكر الشامية والمصرية، ووصل السلطان الناصر، والخليفة المستكفي بالله، وتقدم شيخ الإسلام ليشهد القتال بنفسه، وبدأ شهر رمصان واستبشر الناس بقدومه، وفي يوم السبت الثاني من شهر رمضان، ألح الناس في الدعاء والابتهال وفي الصلوات وفي كل حال، وطلع النساء والصغار على الأسطحة وكشفوا رؤوسهم، وضج البلد ضجة عظيمة، ووقع في ذلك الوقت مطر عظيم غزير، ثم سكن الناس، فلما كان بعد الظهر قرئت بطاقة بالجامع تتضمن أنه في الساعة الثانية من نهار يوم السبت هذا، اجتمعت الجيوش الشامية والمصرية مع السلطان في مرج الصفر -موضع بين دمشق والجولان-، وفيها طلب الدعاء من الناس، والأمر بحفظ القلعة على الأسوار، فدعا الناس في المآذن والبلد، وانقضى النهار، وكان يومًا مزعجًا هائلًا.

وفي يوم الأحد بدأ القتال واستمر إلى يوم الاثنين، وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية دورٌ كبير في حث الناس على الجهاد، وجمع الكلمة بين الشام ومصر، وتوحيد الصف ضد العدو.

وأفتى الناسَ بالفطر مدة قتالهم وأفطر هو أيضًا، وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شيء معه في يده، ليعلمهم أن إفطارهم أفضل ليتقووا على القتال، فيأكل الناس، وكان يتأول في الشاميين قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، ‌وَالْفِطْرُ ‌أَقْوَى ‌لَكُمْ، فَأَفْطِرُوا) (رواه مسلم)، فعزم عليهم في الفطر عام الفتح.

ولَما اصطفت العساكر والتحَم الفريقان، ثبت السلطان محمد بن قلاوون ثباتًا عظيمًا، وأمر بجواده فقُيِّد حتى لا يهرُب، وبايع الله -تعالى- في ذلك الوقت، واحتدمت المعركة، وحمي الوطيس، واستحرّ القتل، وقُتل جمع من سادات الأمراء من المسلمين، ثم نزل النصر على المسلمين قريبًا من العصر يومئذٍ، واستظهر المسلمون عليهم -ولله الحمد والمنة-.

فلما جاء الليل لجأ التتر إلى اقتحام التلول والجبال والآكام؛ فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب، ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلا الله -عز وجل-، وجعلوا يجيئون بهم في الحبال فتُضرب أعناقهم، وصدق الله إذ يقول: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال: 17).

ثم كانوا يتساقطون في الأودية والمهالك، ثم بعد ذلك غرق منهم جماعة في الفرات بسبب الظلام، وكشف الله بذلك عن المسلمين غمة عظيمة شديدة -ولله الحمد والمنة-.

وبعد النصر عاد شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية إلى دمشق، وكان ذلك في يوم الاثنين رابع الشهر، ومعه أصحابه من المجاهدين، ففرح الناس به، ودعوا له وهنَّئوه بما يسَّر الله على يديه من الخير، ودخل السلطان إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رمضان وبين يديه الخليفة، وزينت البلد، ثم تحول إلى القلعة وصلَّى بها الجمعة، وخلع على نواب البلاد وأمرهم بالرجوع إلى بلادهم، واستقرت الخواطر، وذهب اليأس وطابت قلوب الناس، ثم عاد السلطان إلى الديار المصرية يوم الثلاثاء ثالث شوال بعد أن صام رمضان وَعَيَّدَ بِدِمَشْقَ، ودخل السلطان القاهرة يوم الثلاثاء ثالث عشرين شوال، وكان يومًا مشهودًا، وزينت القاهرة.

انتصار العاشر من رمضان (عام 1393هـ):

وهذا هو الانتصار المعروف والمشهور بانتصار السادس من أكتوبر عام 1973م، وفي هذه المعركة انتصرت الجيوش الإسلامية والعربية على الكيان الصهيوني، وتمكَّنت القوات المصرية من تحطيم خطّ بارليف الحصين، وعبرت القوات المصرية قناة السويس، وحطمت أسطورة "الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر!".

ومن المعلوم أن القوات الصهيونية اليهودية قد حققت انتصارًا عام 1967م، حيث هاجمت إسرائيل القوات المصرية في سيناء، وهاجمت القوات الأردنية للاستيلاء على الضفة الغربية، وهاجمت القوات السورية للاستيلاء على هضبة الجولان، ثم قامت بقصف المطارات المصرية، وقامت إسرائيل باحتلال بعض المناطق العربية.

ويأتي يوم العاشر من رمضان عام 1393هـ، ويتم التنسيق بين مصر وسوريا، ويتم الهجوم المفاجئ على القوات الإسرائيلية؛ وقد أسهمت في الحرب بعض الدول العربية سواء بالدعم العسكري أو الاقتصادي، وتعالت صيحات التكبير وسط قوات الجيش المصري، وتم عبور القوات المصرية لقناة السويس بنجاح، وحطمت حصون خط بارليف، وتوغلت شرقًا داخل سيناء، فيما تمكنت القوات السورية من التوغل نحو عمق هضبة الجولان، وقد تمكنت القوات السورية من اختراق خط الدفاع الإسرائيلي.

إن حرب العاشر من رمضان غرة على جبين التاريخ العسكري المصري؛ فهي ملحمة عسكرية متكاملة، تجلَّت فيها شجاعة الجندي المصري، وعبقرية العسكرية المصرية.

وسيظل نصر العاشر من رمضان أنموذجًا للاستقلالية في اتخاذ القرارات، وهو انتصار للهوية المصرية الإسلامية، وسيظل علامة على وجود العداوة بيننا وبين اليهود؛ فهو يمثِّل بوصلة توجيه للأجيال.

وأخيرًا: كانت هذه بعض المعارك التي وقعت في شهر رمضان المبارك خلال الحقب التاريخية المختلفة، ولا يزال هناك معارك لم نذكرها خشية الإطالة، ولعل فيما ذكرنا كفاية.

وسيبقى شهر رمضان المبارك هو شهر الانتصارات، والمعارك الحاسمة، والملاحم الفاصلة؛ كما أنه هو شهر الرحمة والمغفرة.

تنويه: هناك بعض المغالطات التاريخية المنتشرة، حيث تُذكر بعض المواقع بعض المعارك وتنسب إلى الانتصارات الرمضانية، وعلى سبيل المثال: "موقعة حطين"؛ حيث وقعت حطين في شهر ربيع الآخر، وكذا معركة القادسية، حيث وقعت في المحرم -وقيل في شعبان-، وموقعة الزلاقة التي كانت في شهر رجب.

فلا بد من التثبُّت من الروايات التاريخية حول تاريخ المعارك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.