كتبه/ جمال فتح الله عبد الهادي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن صاحب القرآن يتنقل مع صاحبه القرآن؛ فيقف مع آية من آياته، أو قصة من قصصه، أو مَثَل من أمثاله الجامعة المانعة، يستطرد حول المعاني، ويطوف في ظلال المشاعر، ويرفل في نعيم المبادئ التي تبث من خلال مجاورة هذا الصاحب العظيم.
يعيش مع أبطال قصصه، وتتوطد علاقته بهم، فيحزن لحزنهم، وتتهلل أساريره لفرحهم، ويواجه معهم الظالمين والطغاة، ويصدع معهم بكلمات الحق التي قذفوها في صدر الباطل.
فيبحر مع نوح -عليه السلام-، ويسمو بروحه في ملكوت السماء متدبرًا مع إبراهيم -عليه السلام-.
ويصبر مع أيوب -عليه السلام-.
ويسبح مع داود -عليه السلام-.
- ويصمد مع الغلام في وجه صاحب الأخدود.
يتزلزل فؤاده مع المؤمنين في مواجهة الأحزاب يوم الزلزال الشديد.
ثم ينشرح صدره وهو يطالع نبأ النصر المجيد، والرعب الذي تصدعت به نفوس المشركين، ويتنقل من مشهد إلى آخر، ومن قصة إلى أخرى، ويدور مع المعاني والأمثال حيث دارت؛ كذلك يجد صاحب القرآن العارف بآياته، المحب لكلماته، وقعًا ومشاعر وآثارًا كلما تفاعل مع سوره، ومر بأجزائه وأحزابه، وكأنه يسمع قعقات المعركة وصليل السيوف مختلطًا بصهيل الخيل وهو يصحب سورة الأنفال. ثم يرتجف قلبه غضبًا لربه وهو يطالع جرائم المنافقين في سورة التوبة.
يوجل قلبه تعظيمًا وإجلالًا لربه إذا رتل سورة الأنعام.
ويذوب فؤاده شوقًا لمولاه المنان وهو يتلو سورة الرحمن مجيبًا لسؤالها المتكرر وصائحًا من أعماق قلبه -وإن لم يسمع الخلق بلسانه-: لا بأي من آلائك نكذب ربنا، ولك الحمد.
يزداد حمده وشكره وامتنانه وهو يطالع نعم الله وآلاءه في سورة النحل.
ثم ترتعد نفسه خوفًا وطمعًا وهو يتلو سورة الرعد، وينبهر بعدل الشريعة وإحكام إنصافها وهو يقرأ سورة النساء، ثم يعاهد الله على الوفاء بعقود سورة المائدة ومواثيقها.
وتعلو همته، ويزداد يقينه، وهو يتأمل تلك المفاصلة الخالدة بين أئمة الحق وسدنة الباطل في سورة إبراهيم -عليه السلام-، ويعجب لذلك اللطف الجميل في سورة يوسف -عليه السلام-.
ويزداد انبهارًا بفتوحات الله تفرج الكروب عن موسى -عليه السلام- في سورة القصص، ثم يلين قلبه حين يغمره ضياء سورة النور.
ويذرف الدمعات الخاشعات وهو يتأمل شكوى حبيبه -صلى الله عليه وسلم- في سورة الفرقان: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَ?ذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفرقان: 30).
هل وجدنا مثل ذلك في علاقتنا بكتاب ربنا؟ هل هي علاقة وثيقة تستحق بالفعل أن يطلق عليها وصف الصحبة الراسخة، والأنس الجميل؟
هل صاحبنا القرآن؟ هل صاحبنا سوره، أو حتى بعض سوره؟
بل هل صاحبنا سورة واحدة منه؟ هل نستحق أن يقال لنا يوم نرجع إلى الله: هلموا يا أصحاب القرآن؟
ما أريد بتلك السؤالات السابقة، ومن قبلها ذلكم العرض الموجز لنماذج من الأنس بالقرآن والتعرف المجمل على سوره، أن أضع تصورًا مثاليًّا يصعب الوصول إليه، أو يغرس الإحباط في نفس من لم يجد في نفسه تلك الأصداء والتفاعلات، ولكنه مجرد لفت لانتباهك عزيزي القارئ.
لفت لانتباهك أن ثمة آفاق أخرى للتعامل مع كتاب الله، ليس على أنه فقط مصدر لجلب الحسنات وجمع المثوبات، أكرم بها من قيمة، لكنها تظل فرعًا عن الأصل، والأصل أن يصحبك القرآن في سائر أحوالك، وأن يطبع بأثره على حياتك وسلوكك وأفكارك كما يفعل الصاحب مع صاحبه.
الأصل أن يغيرك، ويصلحك، ويوجهك، ويضبط بوصلة واقعك، ثم تأتي الهدية من بعد ذلك.
إنها إذًا دعوة لتغيير النظرة النمطية للقرآن، وعدم الانشغال بالهدية عن الوصية، والانتباه إلى طبيعة العلاقة التي تجمع بين المسلم وبين آيات ربه.
علاقة الصحبة: أن تكون صاحبًا للقرآن، وأن يكون صاحبك القرآن؛ فقد ذكر الطيبي في المشكاة معنى صاحب القرآن فقال: "الصحبة للشيء الملازمة له، إنسانًا كان أو حيوانًا، مكانًا كان أو زمانًا، ويكون بالبدن، وهو الأصل والأكثر، ويكون بالعناية والهمة. وصاحب القرآن هو الملازم له بالهمة والعناية، ويكون ذلك تارة بالحفظ والتلاوة، وتارة بالتدبر له والعمل به".
وإن ذهبنا إلى الأول، فالمراد من الدرجات بعضها دون بعض، والمنزلة التي في الحديث هي ما يناله العبد من الكرامة على حسب منزلته في الحفظ والتلاوة لا غير، وذلك لما عرفنا من أصل الدين: أن العامل بكتاب الله المتدبر له أفضل من الحافظ والتالي له إذا لم ينل شأوه في العمل والتدبر.
وقد كان في الصحابة من هو أحفظ لكتاب الله من أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، وأكثر تلاوة منه، وكان هو أفضلهم على الإطلاق لسبقه عليهم في العلم بالله، وبكتابه، وتدبره له، وعمله به.
وإن ذهبنا إلى الثاني -وهو أحق الوجهين وأتمهما- فالمراد من الدرجات التي يستحقها بالآيات سائرها، وحينئذٍ تقدر التلاوة في القيامة على مقدار العمل، فلا يستطيع أحد أن يتلو به إلا وقد قام بما يجب عليه فيها، واستكمال ذلك إنما يكون للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم للأمة بعده على مراتبهم ومنازلهم في الدين، كل منهم يقرأ على مقدار ملازمته إياه تدبرًا وعملًا.
وبهذا يتضح لك احتمال كون المقصود بصاحب القرآن هو الحافظ له، أو التالي له، المتدبر لمعانيه، العامل به.
وإذا جمع المرء بين تلك الخصال؛ فحفظ، وتدبر، وعمل؛ نال تلك المزية، والمكانة العظيمة، فإنه يقال له: اقرأ وارق ورتِّل كما كنت ترتِّل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها.
اللهم ارزقنا جوار وصحبة القرآن، واجعله شفيعًا لنا يوم لقائك.