كتبه/ جمال فتح الله عبد الهادي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد روى أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا) (رواه أبو داود والترمذي، وقال الألباني: "حسن صحيح").
والمراد بصاحب القرآن: مَن يلازم تلاوته. قال في عون المعبود شرح سنن أبي داود: "صاحب القرآن: مَن يلازمه بالتلاوة والعمل والتدبر.. لا من يقرؤه ولا يعمل به".
وقال بعض العلماء: إن مَن عمل بالقرآن، فكأنه يقرؤه دائمًا وإن لم يقرأه أو يحفظه، ومن لم يعمل بالقرآن فكأنه لم يقرأه، وإن حفظه وقرأه دائمًا؛ قال الله -تعالى-: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: 29)، فمجرد التلاوة والحفظ لا يعتبر اعتبارًا تترتب عليه المراتب العلية في الجنة العالية.
وعلى ذلك فإن مَن اتصف بالصفات المذكورة من عباد الله -رجلًا كان أو امرأة- سينال أعلى الدرجات في الجنة، وما أعد الله -تعالى- لحملة كتابه والعاملين به -إن شاء الله تعالى- .
فكر لوهلة وسل نفسك: كم من معارفك تستطيع أن تصفه بذلك الوصف وأن تنطبق عليه معاني تلك الكلمة؟ كلمة صاحب؛ الكلمة التي أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تكون عنوانًا ووصفًا لعلاقتك بما أنزل عليه من ربه القرآن؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ. اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ. أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا. اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ) (رواه مسلم).
وقال -عليه الصلاة والسلام-: (يَجِيءُ صَاحِبُ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: الْقُرْآنُ يَا رَبِّ حَلِّهِ فَيُلْبَسُ تَاجَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ زِدْهُ يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ فَيَرْضَى عَنْهُ، وَيُقَالُ لَهُ اقْرِهِ وَارْقَهْ، وَيَزْدَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةً) (رواه الترمذي والحاكم، وحسنه الألباني).
وقال -عليه الصلاة والسلام-: (وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ، فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني).
وتأمل في تلك الألفاظ: (يقالُ لِصاحِبِ القرآنِ - شفيعًا لأصحابه - تحاجان عن صاحبهما- أنا صاحِبُكَ القرآنُ)؛ تجد أنها كلمات ذات أصل مشترك تكرَّرت في تلك الأحاديث التي ذكرتها في السطور السابقة (صاحب، أصحابه، صاحبهما، صاحبك)؛ إنها الصحبة إذًا!
لقد اختار النبي -صلى الله عليه وسلم- تلك الكلمة تحديدًا -وهو الذي أوتي جوامع الكلم- ليصف بها ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بينك وبين القرآن: "علاقة صحبة!"؛ صحبة بكلِّ ما تشمله الكلمة من معانٍ، وخصائص، وأركان.
صحبة كلية للقرآن بأكمله؛ فلا يكاد يفارقك، ولا ترتاح ولا تأنس إلا معه، وتسعى جاهدًا لاقتناص كل وقت تمضيه برفقته، وصحبة جزئية ومعرفة موضوعية لسوره المختلفة.
وفي الحديث قال -عليه الصلاة والسلام-: للعباس: (نَادِ: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) (رواه أحمد، وصححه العلامة أحمد شاكر)، وهذا النداء لينشِّطَهم بذلِكَ، فجعلوا يُقبِلونَ من كلِّ وجهٍ.
وتأمل في قوله -صلى الله عليه وسلم: (يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ!)؛ لقد شرَّفهم بهذا النسب، ويا له من شرف أن ينسب المرء لسورة من سور القرآن، وأن يلقب بأنه من أصحابها!
أي درجة من المعرفة والقرب تلك التي بلغها ليصل إلى هذا المقام؛ مقام الصحبة، الصحبة الشاملة والنظرة الموضوعية العامة التي تربط بينه وبين كل سورة من سور القرآن والتي تعد توطئة وتمهيدًا للمعرفة العميقة التفصيلية بمعاني آياتها، وإدراك أحكامها وتوجيهاتها.
فهذه السورة لها في قلبه وقع مألوف محبب، وتلك السورة يجد لها في نفسه حنينًا واشتياقًا.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.