الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 18 مارس 2025 - 18 رمضان 1446هـ

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (204) دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أباه إلى التوحيد وترك الشرك (20)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله -عز وجل-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 41-50).

وإذا علمنا أن إبراهيم -عليه السلام- إنما وهب ذلك الولد، وولد الولد بعد عمر طويل؛ كما قال -عز وجل- عنه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) (إبراهيم: 39)؛ نتبيَّن أن الله قد يؤخِّر إجابة دعوة عبده المؤمن وهو قد قضاها وأجابها، ولكنه يؤخر ظهورها في حياة المؤمن على وجه الأرض لحِكَمٍ بالغةٍ.

وليوقن المؤمن رغم مرور الزمن بأن الله -عز وجل- يجيب دعوته؛ فإبراهيم -عليه السلام- لم يقنط من رحمة ربه أبدًا رغم أنه قد بلغه الكبر، وتعجب حين بلغه نبأ وبشارة ولادة إسحاق -عليه السلام-، وقالت له الملائكة في بشارتهم: (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ . قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) (الحجر: 55، 56)، فهو على الكبر لم ييأس من رحمة الله، وكان يعلم أن الله -عز وجل- يجيب دعوته؛ فقد قال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات: 100)، فبشَّره الله بإسماعيل أولًا، ثم بإسحاق ثانيًا، وبعد إسحاق يعقوب بن إسحاق، وكل ذلك من فضل الله -سبحانه وتعالى-.

فلا نستعجل في الدعاء، ونقول: دعونا فلم يُستجب لنا؛ فإن الله -عز وجل- لم يجعل للمؤمن شقاءً مع الدعاء: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) (مريم: 4)؛ فإذا دعا العبد ربه فقد ربح في دنياه وآخرته، وقد حصل على ما يريد أو أفضل مما يريد؛ فإما أن يستجيب الله دعوته، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخر له يوم القيامة من الثواب ما يتمنى معه أن لم يكن قد استُجيب شيء من دُعائه في الدنيا، وإلا فكل دعواته مجابة؛ قال -سبحانه-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: 60)، وقال -عز وجل-: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (الشورى: 26)، فهو -عز وجل- يستجيب للمؤمنين، ولكن بما هو خير لهم، بما لا يحسن المؤمن تصوره، وربما ظن خيرًا في أمر، ويجعل الله غيره خيرًا منه لعبده المؤمن.

فالله -عز وجل- يدبر أمر عباده المؤمنين بعلمه وحكمته، وفضله ورحمته -سبحانه وتعالى-؛ فعلى العبد أن يرضى بما قضاه الله -عز وجل-، ويوقن بوعد الله، ويوقن بإجابة الدعوات، وعليه أن يظل متضرعًا منكسرًا لله، ولا يشك في وعد الله، فإن الله لا يخلف الميعاد؛ قال -تعالى-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: 60)، وقال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186).

والله وعد عباده المؤمنين بالإجابة وهو أكبر وأكثر فضلًا، وإذا أكثر العباد من الدعاء أكثر الله لهم من العطاء، وكلما تضرع الإنسان إلى الله -عز وجل- وانكسر له؛ جَبَرَه الجبار -سبحانه وتعالى- بفضله ورحمته؛ فعلينا أن نكثر من الدعاء دائمًا ولا نستعجل، ولا نقول: دعونا فلم يستجب لنا؛ فإبراهيم -عليه السلام- هاجر بعد دعوته إلى الله -عز وجل- وبقي في أرض فلسطين مدة طويلة من الزمن إلى أن وهبه الله عز وجل إسحاق ويعقوب.

قال الله -تعالى-: (وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 50،51)، فالله -عز وجل- وهب لهم من رحمته بالهداية للإيمان وبالتوفيق للعمل الصالح بأن جعلهم أئمة يهدون بأمره، وهذه الرحمة الخاصة -الرحمة بالدين، والرحمة بالعمل الصالح- هي أكبر وأعظم أثرًا من الرحمة العامة التي يرحم بها المؤمن والكافر بالطعام والشراب، والنَّفَس، والنِّعم الدنيوية؛ فإن أعظم الرحمة هي الرحمة التي سببها عطاء الله -عز وجل- وتوفيقه للعمل بطاعته، كما قال -تعالى-: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ? وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 73)، فهذا معنى: (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا)، فهي الرحمة التي يخص الله -عز وجل- بها عباده المؤمنين، وهي التي تبقى وتستمر معهم، (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) (الأعراف: 156).

وذلك أنه إذا رحمهم الله -عز وجل- بطاعته، كان ذلك سببًا لرحمته المستمرة المستقرة التي لا عذاب معها ولا شقاء أبدًا، وذلك بأن تكتب لهم الرحمة في الآخرة؛ فكل من وهبه الله -عز وجل- نعمة الإيمان، ووهبه له نعمة العمل الصالح ووفقه للعمل بطاعته؛ فقد قَسَم الله له من رحمته ما لم يقسم لغيره، فليشكر نعمة الله بالثبات، وليشكر نعم الله بمزيد الطاعة والخير، وهداية الناس إلى صراط الله المستقيم، ومزيد من العبودية لله -عز وجل-، (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (الأنبياء: 73).

قال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 50)؛ جعل الله لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، ولآل إبراهيم جميعًا -عليهم جميعًا وعلى نبينا الصلاة والسلام- لسان صدق في الآخرين؛ وذلك أن الناس تثني عليهم، واجتمعت الأمم على مباركتهم والدعاء والثناء لهم؛ كما أخبر الله عن دعوة إبراهيم: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) (الشعراء: 83، 84). وذلك اللسان الصدق هو: الثناء الحسن من أهل الإيمان، وهذا هو المقصود باللسان العلي؛ أي: رفيع القَدْر؛ لأن أهل الإيمان إذا أثنوا على أحدٍ؛ فإن الله يوجب له الخير.

وليس هناك اعتبار إلا بثناء أهل الخير والإيمان، فإنهم شهداء الله -عز وجل- في أرضه: كما في الحديث عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: ‌مَرُّوا ‌بِجَنَازَةٍ، ‌فَأَثْنَوْا ‌عَلَيْهَا ‌خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (وَجَبَتْ)، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: (وَجَبَتْ)، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: (هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ) (متفق عليه).

فأهل الخير والإيمان هم المعتبَرون في الثناء، وفي المديح، وفي الذِّكْر الحَسَن، وأما أهل الباطل فمدحهم وذمهم لا قيمة له، (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (الفرقان: 44)، فهم يمدحون الباطل ويذمون الحق؛ فلا اعتبار لهم، ولا تقبل شهادتهم عند الله -عز وجل-.

فقوله -تعالى-: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ) (مريم: 50)؛ أي: ثناءً حسنًا، (عَلِيًّا): عليّ القدر، مرتفعًا في الناس؛ وذلك لأن أهل الإيمان هم الذين يشهدون لهم بالخير والسبق.