إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 28 مايو 2018 - 13 رمضان 1439هـ

حتى نفوز برمضان (6)

رمضان... تربية لي ولأهلي وأبنائي

كتبه/ جمال متولي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهل تفهم معنى الصيام الحقيقي وحدك، ويترك الأب والأم أبناءهم في حالة جـوعٍ وعطشٍ فقط، والاسم أنهم: صـاموا؟!

هل تصلي التراويح وحدك في المسجد، والزوجة أو الزوج، والبنات والأبناء في الشوارع، أو أمام الشاشات والحاسبات أو على المقاهي والأرصفة؟!

فلنسمـع كيف كان الصحابة -رضي الله عنهم - في تعليم وتربية وتدريب الأبناء.

عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ -رضي الله عنها- قَالَتْ: "كُنَّا َنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ" (رواه البخاري). هكذا فهمـوا كما فهم مِن قبلهم أنبيـاء الله الدور الأهم مع الأبناء.

فهذا أبو الأنبياء إبراهيم -عليه السلام-؛ كان طموحه وغايته بالنسبة لأبنائه، أن يرثوا منه، وينـالوا شرف الإمامة في الدين، وحمل رسالته ودعوة الناس إليه، قال -تعالى-: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124)، فكان رجاؤه لربه -تعالى- بصلاح أبنائه واستقامتهم على أمر الدين وشرائعه هو أول همّ له بعد النبوة وحمل الرسالة، قال -تعالى-: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الأحقاف:15)، وقال: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) (إبراهيم:40). وهكذا كان سائر الأنبياء: يرجون الله -عز وجل-، بصلاح أبنائهم، وحمل رسالته.

رمضـان فرصة الزرع والغـرس:

فالمسئولية التربوية على الإيمـان والاستقامة، وصياغة الأبنـاء صياغة إسـلامية حقة هي المسئولية الأولى، بل والأهـم التي يجب انتباه الآباء والأمهات لها، بجانب المسئوليات الصحية والتعليمية والاجتماعية الأخرى، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ) (التحريم:6)، وقال -تعالى-: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (طه:132).

وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ... وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا... وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (متفق عليه).

ثم لا نغفل ولا ننسى أننا كآباءٍ لن ننتفع مِن أبنائنا مهما علا شأنهم إلا الانتفاع الحقيقي، وهو صلاحهم مع ربهم وفي دينهم أولًا وقبْل كل شيء، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (رواه مسلم)، فدعوات الأبناء الصالحين لآبائهم دعوات مرفوعة مقبولة مِن الله -عز وجل- ينتفع بها الوالدان بعد وفاتهم، وينعمان في الجنة نعيمًا زائدًا، كأنهما ما زالا في عمل الصالحات والطاعات، وهذا يعني أيضًا أن دعـوات الأبناء غير الصالحين، لا قيمة لها، ولا ينتفع الآباء بها.

بل ومِن البُشريات العظيمة: أن الله -عز وجل- يرفع الآباء لدرجات أعلى مِن درجاتهم التي سكنوها في الجنة، وكأنهما ما زالا حيين يعملان الصالحات، وذلك إذا واظب الأبناء على الدعاء والاستغفار لهم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ -عز وجل- لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟ , فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني)؛ مما يعني أن إهمال تعليم الأبناء الدين والإيمان وإقامة الفرائض الربانية فيه الحرمان والخسارة الفادحة للآباء قبْل خسارة الأبناء.

هدى الله -تعالى- أبناءنا وبناتنا وأزواجنا. اللهم آمين.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.