إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 06 يناير 2018 - 19 ربيع الثاني 1439هـ

فيتبعون أحسنه (1)

كتبه/ أحمد شكري

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ . الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر:17-18).

فبيَّن -سبحانه- أن الذين يستحقون المدح بتلك المنقبة العظيمة أنهم أولو الألباب وأصحاب العقول، وأنهم يميزون بيْن الأقوال التي تعرض عليهم، فيفرِّقون بيْن الحسن والقبيح، والخير والشر، والحق والباطل.

وهذه القدرة على التمييز هي أهم ثمار العقل المستنير بنور الهداية؛ ولذلك اعتبر سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مجالسة هؤلاء الذين ينتقون أطايب الكلام كما ينتقي أطايب الثمر، اعتبر مجالستهم مما بقي مِن لذات الدنيا.

ولذلك أيضًا ذم سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- الجهلة بكونهم: "همج رعاع، أتباع كل ناعق!"، أي يعجزون عن التمييز بيْن ما يصح اتباعه وما لا يصح، فيتبعون كل ما يعرض عليهم مِن أقوالٍ.

ومَن طالع حال الناس اليوم في اتباع كل ما يعرض عليهم في القنوات الفضائية، ومواقع التواصل يجد عجبًا حتى مِن بعض الأخيار! وقد تجد أحدهم قد أعاد نشر رسالة إليك فيها مِن الترويج لانحرافاتٍ خطيرة أو التهييج لفتنٍ نائمة، أو إشغالٍ للنفس بما لا فائدة فيه أو ما غيره أولى منه؛ ما يجعلك ترثى لحاله وما وصل إليه مِن فقدان العقلية الناقدة، والبصيرة النافذة التي تحميه مِن أن يكون أداة في يد غيره، ينشر لهم ما يهدفون مِن ورائه إلى أهدافٍ خفية، وغايات باطنة، ولكي نكون فعلًا مِن أولي الألباب الذين لهم البشرى لا بد مِن نقد ما يُعرض علينا مِن أقوالٍ؛ فلا نتبع إلا الأحسن.

وذلك يتضمن عدة مهارات:

منها: التريث والأناة، وترك الطيش والعجلة والاستعجال، وهي مِن الأخلاق التي يحبها الله ورسوله، كما قال -صلى الله عليه وسلم- لأشج عبد الفيس: (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ) (رواه مسلم).

ومنها: التثبت مِن صحة ودقة المعلومات، كما قال -تعالى-: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6).

ومنها: إعادة النظر في الربط بيْن المقدمة والنتيجة، فالبعض يقدِّم بمقدمةٍ صحيحة، ثم يحيد عن النتائج المنطقية المترتبة عليها إلى نتائج ليستْ ذات علاقة بها، كمن يقدِّم بوصف حالة التخلف التقني الذي تعاني منه الأمة ثم يستنتج مِن ذلك ضرورة خلع المرأة المسلمة للحجاب، وأمثال هؤلاء في زماننا كثير! والله المستعان.

نسأل الله -تعالى- أن يجعلنا ممَن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

يتبع -إن شاء الله-.