إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 20 ديسمبر 2017 - 2 ربيع الثاني 1439هـ

وقفات مع آيات (5) (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- التذكير بفضل مدارسة القرآن وتدبره: قال الله -تعالى-: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص:29).

- الإشارة إلى آيات اليوم: قال الله -تعالى-: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) (الفرقان:27- 29).

- المعنى الإجمالي للآيات: قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يخبر الله -تعالى- عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما جاء به مِن عند الله مِن الحق المبين الذي لا مرية فيه، وسلك طريقًا آخر غير طريق الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فإذا كان يوم القيامة ندِم حيث لا ينفعه الندم، وعض على يديه حسرة وأسفًا، وسواء كان نزولها في عقبة بن أبي معيط أو غيره مِن الأشقياء، فإنها عامة في كل ظالم، كما قال -تعالى-: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا) (الأحزاب:66).

- سبب نزول الآيات: قال الواحدي في أسباب النزول: "قال الشعبي: وكان عقبة خليلًا لأمية بن خلف، فأسلم عقبة، فقال أمية: وجهي مِن وجهك حرام إن تابعت محمدًا، فكفر وارتد لرضا أخيه؛ فأنزل الله -تعالى- هذه الآيات".

وقفات مع الآيات:

الوقفة الأولى: مفارقة طريق الرسول -صلى الله عليه وسلم- ندم وهلاك:

- الشاهد مِن الآيات: قال الله -تعالى-: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا).

- أهل البدع والأهواء والنظم الفاسدة أشد الناس عذابًا وهلاكًا؛ لأنهم أكثر الناس مفارقة لطريق الرسول -صلى الله عليه وسلم-: روى الشيخان عن سهل بن سعد قال سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، فَمَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ، وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا، لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ) وزاد أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-: (سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي) (متفق عليه).

- الذين يفارقون طريق الرسول -صلى الله عليه وسلم- تنزل بهم المحن والشرور في الدنيا، ولهم في الآخرة العذاب الموجع: قال الله -تعالى-: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63).

- مخالفة واحدة مِن الرماة يوم أُحد كانت سببًا في وقوع الهزيمة: قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلاَ تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ، هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ، فَلاَ تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ) (رواه البخاري)؛ فكيف بمخالفته في أكثر مِن ذلك؟! وكيف بمخالفته بالكلية؟!

الوقفة الثانية: شدة يوم القيامة على الأتباع والمتبوعين الذين خالفوا سبيل الرسول -صلى الله عليه وسلم-:

- الشاهد مِن الآيات وما سبقها: قال الله -تعالى-: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا . الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا. وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) (الفرقان:25- 28).

- يوم القيامة يتخاصم الأتباع مع قادة الضلال مِن أصحاب الفكر والنظريات الضالة والمبادئ المناقضة للإسلام: قال الله -تعالى-: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ . مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ . وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ  . مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ . بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ . وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ . قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ . قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ . وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ . فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ . فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ . فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ . إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) (الصافات:22-34).

- يوم القيامة يتخاصم الضعفاء مع السادة والأمراء والكبراء بعد ما أعانوهم على باطلهم في الدنيا: قال الله -تعالى-: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ) (إبراهيم:21).

الوقفة الثالثة: خطر قرناء السوء:

- الشاهد مِن الآيات: قوله -تعالى-: (يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا).

- اتخاذ خليل الضلال والنهاية المأساوية: عن سعيد بن المسيب عن أبيه -رضي الله عنه- قال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ)، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ! (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف:67)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني).

وذكر القرطبي -رحمه الله- في تفسيره عن مالك بن دينار قال: "إِنَّكَ إِنْ تَنْقِلِ الْأَحْجَارَ مَعَ الْأَبْرَارِ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَأْكُلَ الْخَبِيصَ -الحلوى- مَعَ الْفُجَّارِ". وَأَنْشَدَ:

وَصَاحِبْ خِيَارَ النَّاسِ تَنْجُ مُسَلـَّـمَا                   وَصَاحِبْ شِرَارَ النَّاسِ يَوْمًا فَتَنْدَمَا

فاللهم قيض لنا صحبة الصالحين في الدنيا والآخرة، واجمعنا في الآخرة بخير صحبةٍ، مع محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وصحبه.