إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 26 يونيو 2017 - 2 شوال 1438هـ

ماذا بعد رمضان؟

كتبه/ أحمد حمدي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ماذا بعد رمضان؟

1- الفرح بطاعة الله والتوفيق لها: قال الله -تعالى-: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:58)، فيوم العيد هو يوم الجائزة ويوم المغفرة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ) (متفق عليه)، ففرحته بثبوت عمله، وليس فرح عُجب بالعمل -فيكون محبطًا له-، وليس مَنًّا على الله أو استكثارًا أو أَمْنًا مِن مكر الله.

2- الاستغفار مما شاب العمل مِن قلة خشوع أو عدم حضور قلبٍ أو رياءٍ أو عجبٍ: فقد كان مِن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- الاستغفار بعد الصلاة ثلاثًا، وكذلك بعد الوقوف بعرفة، وكذلك في وقت السحر بعد قيام الليل، قال الله -تعالى-: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات:18).

3- الحذر مِن معاصي ليلة العيد ويومه: خصوصًا مِن تبرج النساء، والاختلاط، والغناء والموسيقى، وشرب المخدرات، وكأن الناس انفكت مِن الطاعة، وكأن الفرح لا يكون إلا بمعصية الله؛ فليس العيد لمَن لبس الجديد، ولكن العيد لمن طاعته تزيد، وكل يوم لا يُعصى فيه الله فهو عيد، قال سفيان الثوري -رحمه الله-: "أول ما نبدأ به يوم العيد أن نغض أبصارنا".

4- لا تعودوا القهقرى بعد رمضان: قال الله -تعالى-: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا) (النحل:92)، فلا تهجروا المساجد، والقرآن، والفجر، وقيام الليل بعد رمضان.

5- مِن علامات قبول الطاعة أن يكون الإنسان بعدها أفضل مما كان قبْلها، وأنها أثرت فيه وغيرت سلوكياته، قال شداد بن أوس: "إذا رأيتَ الرجل يعمل بطاعة الله، فاعلم أن لها عنده أخوات".

6- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي، فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، فغالبًا ما يعقب فترات النشاط فتور، ولكن بشرط أن لا تطول وتدرك نفسك سريعًا، بعوامل علو الهمة، ودفع الكسل، وألا يصل بك الأمر إلى التفريط في الواجبات والفرائض أو فعل المحرمات والنواهي، فأقصى الفتور يكون في بعض فضول المباحات أو ترك بعض المستحبات، ثم تعاود الكرة والمجاهدة، والجد والنشاط مرة أخرى.

7- الوصول للقمة قد يكون سهلاً، ولكن الأصعب هو الصبر والثبات عليها؛ فالاستقامة الاستقامة، قال الله -تعالى-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى? يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99)، أي الموت. وقال الله -تعالى- مخاطبًا النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ) (هود:112)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت:30)، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأحقاف:13-14)، وقال -تعالى-: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (الأنعام:153).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لسفيان بن عبد الله الثقفي: (قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ, ثُمَّ اسْتَقِمْ) (رواه مسلم)، وقال -تعالى-: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:6)، فمَن كان يعبد رمضان فإن رمضان قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، فلا تكن عبدًا موسميًّا؛ فرب رمضان هو رب شوال، وهو رب سائر الشهور.

8- القلب ما سمي قلب إلا لكثرة تقلبه وتعرضه للفتن، فالإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والقلب أشد تقلبًا مِن القدر إذا اجتمع غليانًا، ومِن الريشة في مهب الريح.

وهذه بعض عوامل ووسائل ثبات القلب على الطاعة بعد رمضان، منها:

1- الإقبال على القرآن تلاوة وعملاً، قال الله -تعالى-: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان:32).

2- العمل بالعلم: قال الله -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) (النساء:66).

3- قراءة قصص الأنبياء والتراجم والصحابة، قال الله -تعالى-: (وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (هود:120).

4- كثرة ذكر الله: قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال:45).

5- حضور دروس العلم الشرعي.

6- تذكر الموت، والخوف مِن الخواتيم، وعدم الأمن مِن مكر الله.

7- الدعاء: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران:8)، وكان مِن أكثر دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وكان يقول: (اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ) (رواه مسلم).

8- الصحبة الطيبة والصالحة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه الألباني).

9- الدعوة إلى الله -تعالى-.

10- صحة المنهج والعقيدة السليمة، فأهل البدع والأهواء أكثر الناس شكًّا عند الموت.