إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 14 يونيو 2017 - 19 رمضان 1438هـ

تأملات في أنظمة الجسم البشري (2) "الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويه"

"الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويه"

كتبه/ طارق فهيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

"الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويه".

حكمة بليغة تعرفنا بأن الضربات الموجهة للإنسان نوعان: إما ضربة مهلكة فيها هلاك الجسم، وإما ضربة قوية، ولكنها ليستْ مهلكة للجسم، وفي هذه الحالة تكون نافعة للجسم غير مضرة به، حيث إنها تحفـِّز الجسم ضد هذا النوع مِن الضربات؛ مما يحدِث للجسم نوعًا مِن المناعة الطبيعية التي تعينه على تحمل مثل هذه الضربات، بل وأقوى منها في المستقبل.

وهذه القاعدة تنطبق تمامًا على نظام "الجهاز المناعي" في جسم الإنسان، فهو بهذا المسئول عن حماية البدن مِن الغزو الخارجي للميكروبات والجراثيم الضارة بالجسم البشري؛ فهو بمثابة "الحصن المنيع" الذي يحمي الجسم مِن الأعداء.

وهذا "الجهاز المناعي" يولد مع الإنسان، ويتكون داخل الجسم البشري، وهو لا يزال جنينًا في بطن الأم، وينمو معه بالتدريج عبْر مراحل النمو المختلفة، ويقوى بقوة البدن وسلامته مِن الأمراض، ويضعف بضعف البدن، وتعرضه للأمراض المختلفة؛ لدرجة أنه ينهار تمامًا في بعض الأمراض، مثل: "الإيدز"، وبعض الأورام الخبيثة التي تصيب الجسم البشري، مثل: "سرطان الدم".

وهذا الجسم يتعرض لهجماتٍ مِن الميكروبات، والجراثيم، والفيروسات المرضية بصورةٍ مستمرة، ويقوم على صناعة المضادات المناسبة لكل ميكروب، والتي تحمي الجسم البشري مِن الهلاك بسبب هذا الميكروب إن تمكن منه، ولم يستطع أن يقاومه.

وهذا هو الشاهد مِن هذه المقدمة: أن الجسم البشري طالما كان جهازه المناعي سليمًا ومعافى؛ استطاع أن يصد الهجمات الخارجية ويقاومها، بل ويهزمها ويقضي عليها، ومع مرور الوقت تزيده هذه الهجمات قوة وصلابة حتى تنقطع معه، ولا تملك عليه سبيلاً، فإذا ضعف هذا الجهاز لأي سببٍ ما؛ أصبح الجسم البشري عرضة وهدفًا سهلاً لأي غزوٍ خارجي، وإن كان مِن أضعف الميكروبات والجراثيم، والتي قد تأتي عليه وتسبب هلاكه.

وهذا النظام يشبه إلى حدٍ كبيرٍ النظام الذي تسير عليه المجتمعات البشرية في طريقة تعاملها مع بعضها البعض؛ فحينما كان المجتمع قويًّا يقوم على مبادئ قوية وثابتة، ويتمتع بقدرٍ كافٍ مِن العدل بيْن طبقاته وفئاته المختلفة، سليم البنيان الداخلي، سليمًا مِن الأمراض الاجتماعية والخُلُقية التي تؤثر عليه داخليًّا؛ كان جهازه المناعي الذي هو بمثابة الحصن ضد الهجمات الخارجية، جهازًا قويًّا يصعب اختراقه، وبالتالي يستحيل معه التأثير على مبادئه وقومياته وهويته؛ التي هي بمثابة صورته التي يعتز بها أمام الآخرين.

والعكس صحيح؛ أي حيثما كان هذا المجتمع ضعيف الترابط بيْن فئاته، ومكوناته البشرية، ينتشر فيه الظلم والطغيان والاستبداد، والكراهية بيْن أفراده أو بيْن مؤسساته، ولا يستطيع الفرد العادي فيها أن يأخذ حقه المشروع بسلاسة وطواعية، وتطغى فيه الأمراض الاجتماعية والخُلُقية، بحيث تصبح شيئًا مألوفًا بيْن أفراده؛ عندها يضعف أو وينهار الجهاز المناعي الخاص به، وتنهار حصونه الداخلية، ويصبح هدفًا سهلاً للأعداء، بل يطمع فيه كل عدو -وإن كان ضعيفًا هزيلاً-، ويسهل الاستيلاء عليه واستعباده، وتسخيره لتحقيق مطامع عدوه.

 بل قد يتطور الأمر حتى يصبح قطعة مِن عدوه، ولكن بصورةٍ مغايرة في الظاهر أو الباطن، وهذا أخطر شيء؛ حيث إن هذه الدرجة تنذر بعدم قدرته على استعادة توازنه، ورجوعه إلى صورته الأصلية على الإطلاق، وهذه الصورة الأخيرة هي التي عليها الاستعمار الحديث للمجتمعات والأمم.