إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 28 مايو 2017 - 2 رمضان 1438هـ

الاشتياق إلى رمضان

كتبه/ إيهاب شاهين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد هبتْ رياحُ "رمضان"، وفي القلب اشتياق وحنين، وهذا الشوق في القلوب لرمضان لا يكون إلا مِن المحبين؛ لأن الشوق فرع على المحبة، فالشوق لرؤية الغائب أو مَن يُنتظر حضوره فرع عن محبته؛ ولذلك لما امتلأت قلوب المحبين بمحبة الله -تعالى- اشتاقت القلوب لرؤيته، وهذا الذي حدث مع موسى -عليه السلام- لما كلمه ربه بقوله -تعالى-: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى . قَالَ هِيَ عَصَايَ) (طه:17-18)، ثم ذكر موسى -عليه السلام-  فوائد العصا...

ولكن الكلام سينتهي مع المحبوب!

فكيف يطيله؟!

وكيف السبيل إلى ذلك؟!

فقال: (هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي)؛ هذه فوائد العصا، لكن المحِب لا يريد أن ينقطع حديثه وسماعه مِن محبوبه، فقال: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)؛ حتى يسأله الله -تعالى-: "وما هذه المآرب؟"؛ فيطول الحديث!

هكذا يكون الشوق، وقد كان نبينا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- يقول: (وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ) (رواه النسائي، وصححه الألباني).

ولذلك فإن خير ما يستعد به القلب المشتاق لاستقبال هذا النسيم العليل: الاستغفار مِن الذنب، وتدبر القرآن؛ فالاستغفار مِن الذنب؛ لأن الذنب يمنع التوفيق للعبد، وما ألزم عبدٌ قلبه الاستغفار إلا وفق، وما دخل الاستغفار على قلب إلا زكى، فإن كان فيه حيرة هُدي، وإن كان فيه اضطراب سكن، وإن كان فيه ضلال هدي، وإن كان فيه ضعف قوي، وإن كان به مرض شفي، وإن كان به ابتلاء عوفي.

ثم الشق الثاني لتهيئة القلب المشتاق إلى رمضان: "القرآن"؛ قراءة، واستماعًا، وتدبرًا، وعملاً، قال الله -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة:185)، فالقرآن هداية للقلب والجوارح والحياة كلها لمن تدبر وعمل؛ ولذلك ذكر الله -تعالى- أن جنس الإنسان في خسران، ولم يستثنِ مِن ذلك إلا مَن جمع أربع صفات: (الإيمان - العمل الصالح - الدعوة إلى الحق - الصبر على ما يناله مِن جراء الدعوة إلى الحق" فقال -تعالى-: (وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر).

وخير مَن حقق ذلك نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم الصالحون مِن عباد الله -تعالى-، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحب أن يَستمع إلى القرآن كما كان يحب قراءته؛ فضلاً عن أنه كان متدبرًا لمعانيه، عاملاً به -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان قرآنًا يمشي بيْن الناس، فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ) قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: (إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (النساء:41)، رَفَعْتُ رَأْسِي، أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ! (متفق عليه).

وتأمل في هذه اللفظة: (أَشْتَهِي!)، هذا هو شوق المحب، استمع بقلبه -صلى الله عليه وسلم-، وتدبر هذا الموقف يوم القيامة؛ فتأثرت جوارحه -عليه الصلاة والسلام-، حتى إن الجن لما استمعوا للقرآن علموا أن به عجبًا، وأنه هداية قال الله -تعالى-: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) (الجن:1-2)، ولذلك استمعوا وأنصتوا، وقاموا داعين إليه، منذرين ومبشرين، قال الله -تعالى-: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) (الأحقاف:29-30).

فمَن حقق ذلك فآمَن، وعمل صالحًا، ودعا إلى الأحكام والأوامر والنواهي، وصبر على ذلك؛ نجا مِن الخسران، وهذا حال المشتاقين إلى رب رمضان.

نسأل الله -تعالى- أن يوفقنا لحسن استقبال رمضان، وأن يعيننا فيه على ما يحب ويرضى.

والحمد لله رب العالمين.