إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 24 أبريل 2017 - 27 رجب 1438هـ

المَلاحِدَة... وقصة الخلق (2)

كتبه/ إيهاب شاهين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد بَيَّنّا في المقال السابق ترتيب خلق السماوات والأرض، وهو أن الأرض خُلِقَت أولاً في يومين، ثم تقدير الأقوات وترسية الجبال في يومين، ثم خلق السماوات في يومين، كما قال -تعالى- في سورة فُصِّلَت: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ . فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) (فصلت:9-12).

ويَرِدُ هنا إشكالان:

الأول: ما ظنه البعض مِن أن مجموع الأيام ثمانية؛ إذ ضمّ الأيام الأربعة إلى اليومين السابقين فيكون المجموع ستة أيام، ثم خلق السماوات في يومين فيكون مجموع الأيام ثمانية.

وللإجابة على هذا الإشكال، يقول الشيخ الشنقيطي -رحمه الله-: "الظاهر أن معنى قوله هنا: (أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) أي: في تتمة أربعة أيام، وتتمة الأربعة حاصلة بيومين فقط؛ لأنه -تعالى- قال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ)، ثم قال: (أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) أي: في تتمة أربعة أيام، ثم قال: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) فتضم اليومين إلى الأربعة السابقة، فيكون مجموع الأيام التي خلق فيها السماوات والأرض وما بينهما ستة أيام.

وهذا التفسير الذي ذكرناه في الآية لا يصح غيره بحال؛ لأن الله -تعالى- صرَّح في آياتٍ متعددة مِن كتابه بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، كقوله في السجدة: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ) (السجدة:4)؛ فلو لم يفسَّر قوله -تعالى-: (أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) بأن معناه في تتمة أربعة أيام؛ لكان المعنى أنه -تعالى- خلق السماوات والأرض وما بينهما في ثمانية أيام" (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن).

ومثله قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ) (متفق عليه)، هل المقصود ثلاثة قراريط؟ قيراط للصلاة عليها، وقيراطان لشهودها حتى تدفن؟ لا، ليس هذا هو المراد، وإنما المجموع يكون هكذا في قيراطين: الأول للصلاة، والثاني لاتباع الجنازة؛ فهذا مثل هذا. وبذلك تتسق آيات الكتاب مع بعضها.

وأما الإشكال الثاني فنذكره والجواب عليه في المقال القادم -بإذن الله تعالى-.