إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 01 مايو 2017 - 5 شعبان 1438هـ

الملاحدة... وقصة الخلق (4)

كتبه/ إيهاب شاهين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تقدَّم معنا -فيما سبق مِن مقالات- أن قضية الخلق للكون والإنسان والحياة لا يمكن الوصول إليها بدون هداية ربانية؛ لأن البشرية أجمع لم تشهد ذلك، كما قال الله -تعالى-: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) (الكهف:51)، وقد بَيَّنَّا كيف أن القرآن وصف لنا كيفية خلق الكون.

والمحطة الثانية التي أشارت إليها الآية السابقة، هي: "خلق الإنسان", وقد تنوعت العبارات القرآنية والأحاديث النبوية في بيان بديع خلق الإنسان، لكن قد أبي مَن يريد لعقله الانتحار رفض آي القرآن، وبَحَث عن كيفية خلق الإنسان بأساليب وطرق تأبى العقول السليمة قبولَها!

ومِن ذلك: ما زعمه الملاحدة -أنصار "دارون"- أن أصل الإنسان مِن سلالة القِرَدَة! وأن الإنسان ما هو إلا حيوان مِن جملة الحيوانات، حادث بطريق النشوء والارتقاء! وأنه لمشابهته القرد لا يمنع أن يكون قد اشتق هو وإياه مِن أصلٍ واحدٍ!

وقبْل أن نُفَنِّدَ هذه النظرية المتهالكة بالرد والنقض نبيِّن -أولاً- كيفية خلق الإنسان مِن خلال آي القرآن، ونرد على ما جاء في ذلك مِن إشكالات، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ? وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء:1)، وقال: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) (آل عمران:59)، وقال الله -تعالى-: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) (السجدة:7)، وقال -تعالى-: (إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ) (الصافات:11)، وقال: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) (الحجر:26)، وقال: (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) (الرحمن:14)، وقال -تعالى-: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) (الإنسان:2)، وقال -تعالى-: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) (الطارق:5-6)، وقال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا) (الفرقان:54).

وقد حدد -سبحانه وتعالى- تلك العملية بمراحل، أو كما أسماها -تعالى- الأطوار السبعة التي يتطور فيها الإنسان في بطن أمه، يقول -سبحانه وتعالى-: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) (نوح:14)، وأوضحها في قوله -تعالى-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (المؤمنون:12-14).

بيَّن لنا -سبحانه وتعالى- أن أصل سلالة الإنسان هي ذاتها التي ابتدأ بها الله -تعالى- خلق هذا الكائن، وأنه صمم شكله وهيئته هذه على هذا النسق.

وهنا زعم الملاحدة تضاربًا، وأوردوا بعض الإشكالات: هل آدم خُلِق أولًا أم حواء؟ وهل خُلِق آدم خَلْقًا مباشرًا؟ أم تدريجيًّا تطويريًّا مِن خلية أحادية مرَّت بمراحل عبْر ملايين السنين إلى أن وصلت لصورة الإنسان الحالي كما يزعم الملاحدة؟! وهل خلق الإنسان مِن تراب أم مِن طين أم مِن ماء أم مِن علق أم مِن أمشاج؟

وسنتناول الإجابة على هذه الإشكالات في المقالات اللاحقة -بإذن الله تعالى-.

والحمد لله رب العالمين.