إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 10 أكتوبر 2016 - 9 محرم 1438هـ

خطر الغفلة

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالغفلة مِن أخطر الأمراض التي تصيب القلب؛ ولذلك ذكر أهل العلم أن أول منازل السير إلى الله -عز وجل- الانتباه من رقدة الغفلة، فإذا تيقظ القلب ابتدأ الإنسان طريق سيره إلى الله وهو على رجاء الوصول لأعلى منازل العباد، أما إذا ظل في غفلته فلن يبرح مكانه!

والغفلة تكون عن ذكر الله -عز وجل- ومعرفته بأسمائه وصفاته، ومحبته ولذة القرب منه وعبادته، كما في قول الله -تعالى-: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف:28).

وكذلك تكون عن الموت وما بعده، واليوم الآخر وما فيه، ثم المصير إما إلى جنة أبدًا أو نار أبدًا، كما في قوله -تعالى-: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) (الأنبياء:1)، وقوله -تعالى-: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (مريم:39).

وللغفلة أسباب كثيرة، منها:

تعلـُّق القلب بالدنيا ومخالطة الغافلين؛ فلا تكاد تجد مَن يخالط الناس ذاكرًا إلا مَن منَّ الله -عز وجل- عليه بأن جعله داعيًا مذكِّرًا هاديًا مهديًا، وإلا فتعلق القلب بالدنيا، وفضول مخالطة الناس، وغيرها من أسباب الغفلة؛ تكون أمام القلب كالحواجز تستر عنه حقائق الإيمان، فهو مع إيمانه إلا أنه لا يستحضر هذه الحقائق، فهو مثلاً يصدق بالملائكة، ولكنه لا يستشعر على الدوام أنه معه ملكان كريمان يكتبان أعماله: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق:18).

ولا يستحضر أن هذه المخلوقات الكريمة تحضر مجالس الذكر؛ فلا تجده حريصًا على حضورها، مع حرصه على حضور المؤتمرات والندوات التي يحضرها مشاهير البشر!

وكذلك هو يصدِّق برسل الله -عز وجل-، ولكنه لا يستحضر الصفات العظيمة لكل رسول منهم، فلا ينشغل بالتدبر في قصصهم؛ ونتيجة لذلك تضعف محبتهم في قلبه، مع انشغاله بقصص المشاهير والإكثار مِن قراءتها فينجذب قلبه إلى حبهم! ولو تأمل في قصص الأنبياء واستحضرها في مواقفه المختلفة؛ لتغيرت ردود أفعاله تمامًا، وقد قص الله علينا صفاتهم ومواقفهم في الدعوة إليه -سبحانه- حتى نحبهم، ونتشبه بهم ونطيعهم، ونقتدي بهم.

وكذلك تجد الغافل مصدقًا بكتاب الله -عز وجل-، وأن القرآن هو كلامه -سبحانه- ورسالته إلى خلقه التي فيها صلاح معاشهم ومعادهم، ولكنه مع ذلك غافل عنه لا يقرأه، ولا يحفظه، ولا يتدبره، ولا يعمل به!

وهو أيضًا يصدق باليوم الآخر، ولكنه لا يستحضره على الدوام، ولا يستشعر كأنه يرى الناس قد قاموا مِن قبورهم، ووقفوا في أرض المحشر حفاة عراة غرلاً، والشمس قد أدنيت، والأرض قد بُدلت، وعرق الناس حتى ضرب عرقهم في الأرض قدر سبعين ذراعًا، ومنهم مَن عرقه إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم مَن يلجمه العرق إلجامًا، نسأل الله أن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ولا يستشعر وكأنه يرى الصحف قد تطايرت فآخذ كتابه باليمين، فيقول: (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) (الحاقة:19)، وآخذ كتابه بشماله مِن وراء ظهره، فيقول: (يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ) (الحاقة:27).

ولا يتفكر وكأنه ينظر إلى الموازين وقد نصبت؛ فهذا يرجح ميزانه فيسعد سعادة لا شقاء بعدها أبدًا، وهذا يخف ميزانه فيشقى شقاءً لا سعادة بعده أبدًا، وكأنه ينظر إلى الجنة وأهلها فيها يتنعمون ويتزاورون، وإلى النار وأهلها فيها يُعذبون ويتصايحون.

ولا تزول الغفلة عن كل هذه المعاني إلا بالتدبر في كتاب الله -عز وجل- وقراءته، وتعلُّم سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن ذلك يحيي القلب ويوقظه.

وقول الله -تعالى-: (أَغْفَلْنَا):

تشهد منه حقيقة القضاء والقدر، وأن الله -عز وجل- هو خالق أفعال العباد، وما حرمهم الله مِن هذا الشرف إلا لعلمه بما في قلوبهم مِن الإرادات النجسة، والصفات القبيحة: (واتّبعَ هَواه وكَان أَمرُهُ فُرُطا).

وهذا مِن عدل الله -عز وجل- وحكمته، فإنه يضع الأشياء في مواضعها، وإذا أيقن المؤمن أن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأن الله -جلَّ وعلا- الذي أغفل الغافلين - لجأ إليه -سبحانه-، وتضرع إليه أن يزيل عن قلبه هذه الغفلة، كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ، وَالْقَسْوَةِ وَالْغَفْلَةِ... ) (رواه الحاكم وابن حبان، وصححه الألباني).

وقول الله -تعالى-: (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا):

يدل على أن اتباع الهوى يؤدي إلى التفريط، ويؤدي التفريط إلى مزيد من الغفلة، وهكذا يظل العبد يدور في دائرة لا نهاية لها؛ إلا الاستقرار في جهنم -والعياذ بالله-.

إن ترك الواجبات يؤدي إلى فعل المحرمات، وفعل المحرمات يؤدي إلى مزيد مِن ترك الواجبات، والعكس فمن فعل الطاعات وُفق لترك المنكرات، ومَن صان سمعه وبصره في نهاره وُفق لقيام الليل، ومَن أقبل على صلاته وُفق لغض البصر.

وقول الله -تعالى-: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف:29):

هذا أمر مِن الله -عز وجل- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بالدعوة إليه -جلَّ وعلا-، وقد جاء هذا الأمر بعد عدة أوامر؛ مما يدل على أن الدعوة إلى الله -عز وجل- ليست مجرد كلمات تقال.

وإذا تأملتَ هذا الترتيب لهذه الأوامر علمتَ أن الدعوة لا تقوم إلا بتلاوة القرآن وتعليمه وفهمه، وكذلك اللجوء إلى الله -سبحانه وتعالى- دون غيره.

وكذلك لابد لها مِن طائفة صالحة مخلصة متعاونة على البر والتقوى، وأن يصبر الداعي نفسه معها، ولا يتطلع إلى مصاحبة أهل الشرف والسلطان، ولا بد من الحذر من طاعة الغافلين، ولابد من نهي النفس عن اتباع الهوى وترك التفريط في أوامر الله -عز وجل-.

وإذا توافر كل ذلك أتت الدعوة بثمارها؛ لأنها قامت على أساس متين.

أما بدون هذه الأسس فلن تقوم ولن تثمر إلا ثمارًا مُرة نراها في شخصيات ممسوخة تصد عن سبيل الله بسلوكها وأفعالها -والعياذ بالله-.