إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 06 يوليه 2016 - 1 شوال 1437هـ

ابتسامة العيد... صفاء وسرور وصدقة!

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الوجه هو مرآة القلب يَعكس ما فيه مِن صفاءٍ وحب وإخاء، والابتسامة على الوجه كلام بلا صوت... تخبر مَن يراها بمكنون القلب مِن الحب والود والاحترام، وأنه سالم مِن جهة المتبسِّم مِن السوء والضر، وهي عدوى طيبة تنتقل منك إلى مَن تقابله.

وابتسامة العيد "ابتسامة مميزة"، لها طابع خاص، وطعم مختلف؛ يتجلى فيها الإخلاص والإشراق، فهي ابتسامة غير متكلفة.

إنها ابتسامة تخرج مِن القلب فتصل إلى القلب.

إنها شعور يملأ القلب بالأنس والبهجة والفرحة.

ولمَ لا؟!

إنها فرحة العيد.

وابتسامة العيد.

عيد أهل الإسلام الذي يأتي بعد طاعة وقرب مِن الله -تعالى- بألوان الطاعات والقربات (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:58).

- والابتسامة والبشاشة مصيدة المودة، وتعبيرات الوجه تتكلم أبلغ مِن اللسان، فتخبر بالود والحب بلا صوت أو كلام، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ) (رواه البزار والحاكم، وحسنه الألباني)

- والابتسامة شعور رائع بالارتياح ينتقل إلى مَن تحاوره وتقابله؛ إذ أن الوجه المتبسِّم هو عنوان الكتاب، ورائد الضمير، وأولُ البِشر.

- والابتسامة عدوى سعيدة وجميلة ينتشر بها السرور والفرح، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أحَبُّ الأعْمَالِ إِلَى الله سُرُورٌ تُدْخِلُهُ على مُسْلِمٍ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

- والابتسامة تقهر الأرق والكآبة... كما تشير العديد مِن البحوث والدراسات العلمية أنها تحفظ للإنسان صحته النفسية والبدنية، وتساعد على تخفيف ضغط الدم وتعمل على تنشيط الدورة الدموية، وتساعد المخ على الاحتفاظ بكمية كافية مِن الأكسجين، ولها آثار إيجابية على البدن، كما تزيد الوجه جمالاً وبهاءً.

- والابتسامة مع ذلك عبادة وقربة يتقرب بها المسلم إلى ربه -تعالى-، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحتفي بها، ويحرض عليها، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال: (لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ) (رواه مسلم).

- فالابتسامة صدقة غير مكلفة، ومعروف بلا مشقة.

- وعن جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي!" (متفق عليه).

- وعن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (رواه مسلم).

- فما أحوجنا دومًا -وخاصة في يوم العيد- إلى نشر الابتسامة والبهجة مع كل مَن نقابله مِن المسلمين!

ما أحوجنا إلى تبسم الأخ في وجه أخيه، والزوج في وجه زوجته، والجار في وجه جاره، والصاحب في وجه صاحبه، في زمن طغت فيه المادة، وقلتْ فيه الألفة، وكثرت فيه المشاكل المختلفة والصراعات المتعددة!

- قيل لسعيد بن الخمس: "مَا أَبَشَّكَ؟!" قَالَ: "إِنَّهُ يَقُومُ عَلَيَّ بِرُخْصٍ". يعني: أن البشاشة لا تكلفه مالاً ولا جهدًا، وأنها غالية وقيمة؛ لأنها تجذب القلوب، وتقتلع أسباب البغضاء.

- ولو كان الانبساط منقصة للعبد أو كان العبوس فضيلة لما كان النبي -عليه الصلاة والسلام- ينبسط إلى الخلق ويتبسم في وجوههم، ولما قال الله له: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء:215).

- قال المناوي -رحمه الله-: "أما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس؛ يمُن عليك بعلمه؛ فلا أكثر الله في المسلمين مثله، ولو كان الله يرضى بذلك ما قال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)" (فيض القدير).

- قال البغوي -رحمه الله-: "قَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: هَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَضْحَكُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَعْظَمُ مِنَ الْجَبَلِ! وَقَالَ بِلالُ بْنُ سَعْدٍ: أَدْرَكْتُهُمْ يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الأَغْرَاضِ، وَيَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ، كَانُوا رُهْبَانًا!" (شرح السُّنة).

 عيد سعيد... وتقبل الله منا ومنكم.