إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 30 مايو 2016 - 23 شعبان 1437هـ

هل تبتلع الدولة الطـُّعم؟!

كتبه/ غريب أبو الحسن

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي وقت ظن الكثيرون أن يسفِر الخلاف المعلن بيْن قيادات الإخوان بعضها البعض حول مشروعية العنف وجدواه عن مراجعات أو تراجعات جاء اغتيال النائب العام، وأحداث سيناء، وكأن منفذ هذه العمليات يريد أن يقطع الطريق على من يفكر في التراجع عن العنف من قيادات الإخوان، فمن الذي قرر أن يحرق آخر تلك السفن؟ وهل هو مِن داخل الجماعة أم مِن خارجها؟ مِن داخل البلاد أم مِن خارجها؟ هذا ما ستفصح عنه الأيام.

- ولكن لماذا يتم اللجوء لهذا النوع مِن العمليات أيًّا كانت الجهة التي تقف وراءها؟!

- لماذا يتم اغتيال رأس مِن أكبر رؤوس القضاء في مصر؟!

- لماذا يتم اجتياح بعض المناطق بـ"سيناء" بهذه الطريقة التي يُراد منها إيصال رسالة أن "سيناء" خارج السيطرة، والأقرب للانتحار الجماعي؟!

- إن الغرض مِن ذلك هو: إهانة الدولة والمبالغة في ذلك، واستفزازها أعظم الاستفزاز.

- الغرض مِن ذلك هو: إيصال الدولة لحالة مِن الغضب المغلق، والذي تطيش معه العقول، وتسيطر عليه رغبة الانتقام، وأن تصم الدولة أُذنها عن كل ناصح؛ فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة!

- الغرض مِن ذلك هو: دفع الدولة إلى محاولة الرد على هذه الإهانة بصورة تمثـِّل انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان، ثم تُوثـَّق هذه الانتهاكات بوسائل إعلام ينفق عليها المليارات؛ لتكون ذريعة للضغط الخارجي.

- الغرض مِن ذلك هو: دفع الدولة لسن القوانين التي تسرع مِن تنفيذ الإعدامات، ولكن بما قد يخل بضمانات المحاكمات العادلة.

- الغرض مِن ذلك هو: دفع الدولة لتجاوز الدستور والقانون أو تقنين التجاوزات!

- الغرض مِن ذلك هو: دفع مزيدٍ مِن الشباب للانتحار ليكونوا وقودًا جديدًا في معركتهم نحو السلطة.

- الغرض مِن ذلك هو: دفع الدولة لتوسيع دائرة الاشتباه وما يتبعها مِن ظلم يَطول أناسًا برآء؛ فتزيد مساحة الرفض للنظام؛ ليخرج علينا "فلان" و"علان" -كما حدث عقب الأحداث الأخيرة-؛ ليصيحوا عبْر وسائل الإعلام أن السلطة فَقدتْ صوابها، وأن النظام أصابه الجنون، وأن الدولة تقتل أبناءها، وشخصنة الصراع.

- لقد خَطـَت الدولة خُطوات جيدةٍ في الفترة السابقة؛ فشهدت البلادُ تَحسُّنـًا في الحالة الأمنية لمسها المواطن، وتحسنًا في بعض القطاعات الخدمية، مثل: تجاوزنا لأزمة انقطاع التيار الكهربائي، وغيرها، مع وجود مشاكل لم تُحل بعد.

- وفي المجال الخارجي: استعادت مصر مساحة مِن دورها الإقليمي والدولي، والغرض مِن هذه العمليات هو شغل الدولة عن البناء الحقيقي؛ حتى لا تكمل مسيرتها.

إن أبلغ رد على هذه الإهانات المتعمَّدة هو: انطلاق الدولة لاستكمال بناء مؤسساتها، واحترام "دستورها"؛ ذلك العقد الاجتماعي الذي رضي به الجميع، وتنقية القوانين لتتوافق معه بعد إيجاد برلمان منتخب يقوم على ذلك، والتصميم على بناء دولة المؤسسات التي تُراعَى فيها حقوق الإنسان لأبعد مدى، مع الحسم والحزم مع المخالفين تحت مظلة شريعتنا "التي هي المصدر الرئيسي للتشريع".

- إن خسارة جماعات العنف لـ"معركتهم الأخلاقية" في صراعها مع المجتمع والدولة لا ينبغي أن تكون سببًا لينزلق المجتمع والدولة في نفس المستنقع؛ لأن المجتمع يجب أن يحرص على زرع قيم الحق والعدل والمساواة ومكارم الأخلاق فيه، وهذا مجلبة لتوفيق الله وعونه.

- إن منطلقات جماعة الإخوان المسلمين -والتي تسوِّغ لهم ارتكاب كل أنواع الحماقات أو التمهيد لحماقات غيرهم ومباركتها!-: هي تلك "الأسطورة" التي يُربون عليها مِن أنهم هم الممثلون الحصريون للإسلام! وأنهم جماعة الله المختارة، وأنه لا قيام للإسلام إلا بهم؛ تلك الأسطورة التي تدفعهم وفق حساباتهم الضيقة إلى أن يعتقدوا أن بقاء الجماعة وتماسكها مقدَّمٌ على بقاء الدولة وتماسكها، والتضحية في سبيل ذلك بكل شيء؛ ولو تسببت بإعدام بعض رموزها، ففي سبيل بقاء دعوة الخالدين -بزعمهم! يهون كل شيء!

- لا يقابل هذه الحالة "المتطرفة" إلا تلك الفئة ممن يطلقون على أنفسهم: "نخبة!"، والذين يَحيون على دماء بلادهم! ومع كل جرح في جسد الوطن بدلاً مِن أن يبادروا لتضميده؛ يستثمرون تلك الجراح لتحقيق مكاسبَ ضيقةٍ، وتصفية حساباتٍ قديمة، ويسعون في "خسة معتادة" للتخلص مِن خصومهم السياسيين المحتملين؛ فتجد المطالبات بحلِّ حزب خصمهم السياسي، بل والمطالبة بالفتك به! فالحزب السياسي في كل دول الدنيا هو "تجمع منظـَّم" يسعى للسلطة؛ أما في بلادي فهو "تجمع غير منظم" يسعى لحل الحزب المنافس!

إن كلَّ ما تمرُّ به البلاد مِن أحداثٍ جسام ما هي إلا طـُعْمٌ يُراد لها أن تبتلعه؛ ليتم جرها جرًّا نحو المصير العراقي، والمصير السوري، والليبي، واليمني، و... فحينما تصلي وتجد إلى جوارك أخاك السوري أو الليبي أو العراقي، وأخيرًا اليمني؛ تحمد الله -جلَّ وعلا- على حفظه لبلادنا، وتدرك حجم المسئولية الملقاة على عاتق الدولة المصرية في ضبطها لنفسها، وسرعة تعافيها، وأخذها بيد شقيقاتها، وإخراجهم مِن وحل الاحتراب الأهلي.

نسأل الله -تعالى- أن يسلِّمنا، ويسلِّم بلادنا وبلاد المسلمين مِن كل سوءٍ وشر.