الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 07 فبراير 2012 - 15 ربيع الأول 1433هـ

هل سماع المعازف من مسائل الخلاف السائغ؟

السؤال:

هل الاستماع إلى المعازف من المسائل التي يسوغ فيها الاختلاف؟! حيث سمعت بعضهم يقول: "إنها مسألة خلافية، ومن شاء أن يستمع إليها؛ فليستمع!".

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالقول بحل المعازف قول باطل مصادم للنص الصحيح الصريح في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (رواه البخاري معلقـًا مجزومًا به، وصححه النووي، وابن حجر، والألباني).

ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغَمَةِ مِزْمَارِ شَيْطَانٍ وَلَعِبٍ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشُ وُجُوهٍ وَشَقُّ جُيُوبٍ وَرَنَّةُ شَيْطَانٍ) (رواه الترمذي والحاكم واللفظ له، وصححه الألباني).

قال ابن القيم -رحمه الله- في إغاثة اللهفان (1/226): "قال الإمام أبو بكر الطرطوشي في خطبة كتابه في تحريم السماع: الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونسأله أن يرينا الحق حقًا فنتبعه، والباطل باطلاً فنجتنبه، وقد كان الناس فيما مضى يستسر أحدهم بالمعصية إذا واقعها ثم يستغفر ويتوب إليه منها، ثم كثر الجهل وقل العلم وتناقص الأمر حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهارًا، ثم ازداد الأمر إدبارًا حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين -وفقنا الله وإياهم- استزلهم الشيطان، واستغوى عقولهم في حب الأغاني واللهو وسماع الطقطقة والنقير، واعتقدته من الدين الذي يقربهم إلى الله، وجاهرت به جماعة المسلمين، وشاقت سبيل المؤمنين، وخالفت الفقهاء والعلماء وحملة الدين (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء:115).

فرأيتُ أن أوضح الحق، وأكشف عن شبه أهل الباطل بالحجج التي تضمنها كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأبدأ بذكر أقاويل العلماء الذين تدور الفتيا عليهم في أقاصي الأرض ودانيها حتى تعلم هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين في بدعتها، والله ولي التوفيق...  ثم قال: أما مالك -رحمه الله- فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له أن يردها بالعيب. وسئل مالك -رحمه الله-: عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق.

قال: وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب. وكذلك مذهب أهل الكوفة: سفيان، وحماد، وإبراهيم، والشعبي، وغيرهم... لا اختلاف بينهم في ذلك، ولا نعلم خلافا أيضًا بين أهل البصرة في المنع منه.

قلت: مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه أغلظ الأقوال، وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها: كالمزمار، والدف حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية يوجب الفسق وترد به الشهادة، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: إن السماع فسق والتلذذ به كفر -هذا لفظهم-، ورووا في ذلك حديثًا لا يصح رفعه.

قالوا: ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به أو كان في جواره. وقال أبو يوسف في دار يسمع منها صوت المعازف والملاهي: ادخل عليهم بغير إذنهم؛ لأن النهي عن المنكر فرض، فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفرض. قالوا: ويتقدم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره، فإن أصر حبسه أو ضربه سياطًا، وإن شاء أزعجه عن داره.

وأما الشافعي فقال في كتاب أدب القضاء: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته.

وصرَّح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على من نسب إليه حله: كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحق، وابن الصباغ.

قال الشيخ أبو إسحق في التنبيه: ولا تصح -يعني الإجارة- على منفعة محرمة: كالغناء والزمر، وحمل الخمر، ولم يذكر فيه خلافًا. وقال في المهذب: ولا يجوز على المنافع المحرمة؛ لأنه محرم، فلا يجوز أخذ العوض عنه: كالميتة، والدم.

فقد تضمن كلام الشيخ أمورًا:

أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة.

الثاني: أن الاستئجار عليها باطل.

الثالث: أن أكل المال به أكل مال بالباطل، بمنزلة أكله عوضًا عن الميتة والدم.

الرابع: أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمُغني، ويحرم عليه ذلك، فإنه بذل ماله في مقابلة محرم، وأن بذله في ذلك كبذله في مقابلة الدم والميتة.

الخامس: أن الزمر حرام.

وإذا كان الزمر الذي هو أخف آلات اللهو حرامًا؛ فكيف بما هو أشد منه: كالعود، والطنبور، واليراع؟! ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك، فأقل ما فيه: أنه من شعار الفساق وشاربي الخمور.

وكذلك قال أبو زكريا النووي في روضته: القسم الثاني: أن يغني ببعض آلات الغناء بما هو من شعار شاربي الخمر، وهو مطرب: كالطنبور، والعود، والصنج، وسائر المعازف والأوتار يحرم استعماله واستماعه. قال: وفي اليراع وجهان: صحح البغوي التحريم، ثم ذكر عن الغزالي الجواز. قال: والصحيح تحريم اليراع وهو الشبابة.

وقد صنف أبو القاسم الدولعى كتابًا في تحريم اليراع.

وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة والغناء، فقال في فتاويه: أما إباحة هذا السماع وتحليله؛ فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نقل في الشبابة منفردة والدف منفردًا، فمن لا يحصل أو لا يتأمل ربما اعتقد خلافًا بين الشافعيين في هذا السماع الجامع هذه الملاهي، وذلك وهم بيِّن من الصائر إليه، تنادي عليه أدلة الشرع والعقل، مع أنه ليس كل خلاف يُستروح إليه ويعتمد عليه، ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء وأخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق أو كاد.

قال: وقولهم في السماع المذكور: إنه من القربات والطاعات قول مخالف لإجماع المسلمين، ومن خالف إجماعهم فعليه ما في قوله -تعالى-: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء:115).

وأطال الكلام في الرد على هاتين الطائفتين اللتين بلاء الإسلام منهم: المحللون لما حرم الله، والمتقربون إلى الله بما يباعدهم عنه.

والشافعي وقدماء أصحابه والعارفون بمذهبه: من أغلظ الناس قولاً في ذلك، وقد تواتر عن الشافعي أنه قال: خلفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن، فإذا كان هذا قوله في التغبير، وتعليله: أنه يصد عن القرآن، وهو شعر يزهد في الدنيا يغني به مغن فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو مخدة على توقيع غنائه؛ فليت شعري ما يقول في سماع التغبير عنده كتفلة في بحر. قد اشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم، فالله بين دينه وبين كل متعلم مفتون، وعابد جاهل. قال سفيان بن عيينة: "كان يقال: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون".

ومَن تأمل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين.

فصل:

وأما مذهب الإمام أحمد؛ فقال عبد الله ابنه: سألت أبي عن الغناء؟ فقال: الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني. ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق. قال عبد الله: وسمعت أبي يقول: سمعت يحيى القطان يقول: "لو أن رجلاً عمل بكل رخصة، بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة؛ لكان فاسقًا".

قال أحمد: وقال سليمان التيمي: "لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله". ونص على كسر ألآت اللهو كالطنبور، وغيره إذا رآها مكشوفة وأمكنه كسرها، وعنه في كسرها إذا كانت مغطاة تحت ثيابه وعلم بها روايتان منصوصتان.

ونص في أيتام ورثوا جارية مغنية وأرادوا بيعها فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. فقالوا: إذا بيعت مغنية ساوت عشرين ألفًا أو نحوها، وإذا بيعت ساذجة لا تساوي ألفين. فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. ولو كانت منفعة الغناء مباحة لما فوت هذا المال على الأيتام.

فصل:

وأما سماعه من المرأة الأجنبية أو الأمرد فمن أعظم المحرمات، وأشدها فسادًا للدين.

قال الشافعي -رحمه الله-: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته، وأغلظ القول فيه، وقال: هو دياثة فمن فعل ذلك كان ديوثًا.

قال القاضي أبو الطيب: وإنما جعل صاحبها سفيهًا؛ لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيهًا فاسقًا.

قال: وكان الشافعي يكره التغبير وهو الطقطقة بالقضيب، ويقول: وضعته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن.

قال: وأما العود والطنبور وسائر الملاهي فحرام، ومستمعه فاسق، واتباع الجماعة أولى من اتباع رجلين مطعون عليهما.

قلت: يريد بهما إبراهيم بن سعد وعبيد الله بن الحسن فإنه قال: وما خالف في الغناء إلا رجلان: إبراهيم بن سعد فإن الساجي حكى عنه: أنه كان لا يرى به بأسًا. والثاني: عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة وهو مطعون فيه. قال أبو بكر الطرطوشي: وهذه الطائفة مخالفة لجماعة المسلمين؛ لأنهم جعلوا الغناء دينًا وطاعة، ورأت إعلانه في المساجد والجوامع وسائر البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة، وليس في الأمة مَن رأى هذا الرأي.

قلت: ومِن أعظم المنكرات: تمكينهم من إقامة هذا الشعار الملعون هو وأهله في المسجد الأقصى عشية عرفة، ويقيمونه أيضًا في مسجد الخيف أيام منى، وقد أخرجناهم منه بالضرب والنفي مرارًا، ورأيتهم يقيمونه بالمسجد الحرام نفسه، والناس في الطواف؛ فاستدعيت حزب الله وفرَّقنا شملهم، ورأيتهم يقيمونه بعرفات والناس في الدعاء والتضرع والابتهال والضجيج إلى الله، وهم في هذا السماع الملعون باليراع والدف والغناء! فإقرار هذه الطائفة على ذلك فسق يقدح في عدالة من أقرهم ومنصبه الديني" انتهى.

قال النووي -رحمه الله- في شرح مسلم (1/18): "ولم يصب أبو محمد بن حزم الظاهري حيث جعل مثل ذلك انقطاعًا قادحًا في الصحة، واستروح إلى ذلك في تقرير مذهبه الفاسد في إباحة الملاهي وزعمه أنه لم يصح في تحريمها حديث مجيبًا عن حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ... )، فزعم أنه وإن أخرجه البخاري فهو غير صحيح؛ لأن البخاري قال فيه: قال: هشام بن عمار، وساقه بإسناده فهو منقطع فيما بين البخاري وهشام، وهذا خطأ من ابن حزم من وجوه:

أحدها: أنه لا انقطاع في هذا أصلاً من جهة أن البخاري لقي هشامًا وسمع منه، وقد قررنا في كتابنا علوم الحديث أنه إذا تحقق اللقاء والسماع مع السلامة من التدليس حمل ما يرويه عنه على السماع بأي لفظ كان كما يحمل قول الصحابي: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على سماعه منه إذا لم يظهر خلافه، وكذا غير قال من الألفاظ.

الثاني: أن هذا الحديث بعينه معروف الاتصال بصريح لفظه من غير جهة البخاري.

الثالث: أنه إن كان ذلك انقطاعًا فمثل ذلك في الكتابين غير ملحق بالانقطاع القادح لما عرف من عادتهما وشرطهما، وذكرهما ذلك في كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة؛ فلن يستجيرا فيه الجزم المذكور من غير ثبت وثبوت، بخلاف الانقطاع أو الإرسال الصادر من غيرهما، هذا كله في المعلق بلفظ الجزم. أما إذا لم يكن ذلك منهما بلفظ جازم مثبت له عمن ذاكره عنه على الصفة التي تقدم ذكرها، مثل أن يقولا: روي عن فلان أو ذكر عن فلان أو في الباب عن فلان ونحو ذلك، فليس ذلك في حكم التعليق الذي ذكرناه، ولكن يستأنس بإيرادهما له".

فتح الباري "تعليق ابن باز" (10/52): "وأما دعوى ابن حزم التي أشار إليها -يقصد الزركشي- فقد سبقه إليها ابن الصلاح في "علوم الحديث" فقال: التعليق في أحاديث من صحيح البخاري قطع إسنادها، وصورته صورة الانقطاع وليس حكمه ولا خارجًا -ما وجد ذلك فيه من قبيل الصحيح- إلى قبيل الضعيف، ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رد ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر، وأبي مالك الأشعري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ).

الحديث من جهة أن البخاري أورده قائلاً: "قال هشام بن عمار" وساقه بإسناده، فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام، وجعله جوابًا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك؛ لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندًا متصلاً، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع" اهـ. ولفظ ابن حزم في "المحلى": "ولم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد... ".

إلى أن قال ابن حجر: "وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحًا إلى مَن علق عنه ولو لم يكن من شيوخه، لكن إذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولاً إلى من علقه بشرط الصحة أزال الإشكال، ولهذا عنيت في ابتداء الأمر بهذا النوع وصنفت كتاب "تغليق التعليق". وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي، وفي كلامه على علوم الحديث أن حديث هشام بن عمار جاء عنه موصولاً في "مستخرج الإسماعيلي"، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا هشام بن عمار، وأخرجه الطبراني في "مسند الشاميين"، فقال: حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد، حدثنا هشام بن عمار، قال: وأخرجه أبو داود في سننه، فقال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا بشر بن بكر، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بسنده" انتهى.

وقال ابن القيم -رحمه الله- في حاشيته علي سنن أبي داود (10/153): "وقد طعن ابن حزم وغيره في هذا الحديث، وقالوا: لا يصح؛ لأنه منقطع لم يذكر البخاري مَن حدثه به، وإنما قال: وقال هشام بن عمار. وهذا القدح باطل من وجوه:

أحدها: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، فإذا روى عنه معنعنًا حمل على الاتصال اتفاقًا؛ لحصول المعاصرة والسماع، فإذا قال: "قال هشام" لم يكن فرق بينه وبين قوله عن هشام أصلاً.

الثاني: أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولاً. قال الإسماعيلي في صحيحه: أخبرني الحسن، حدثنا هشام بن عمار بإسناده ومتنه -والحسن هو ابن سفيان-.

الثالث: أنه قد صح من غير حديث هشام، قال الإسماعيلي في الصحيح: حدثنا الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا بشر، حدثنا ابن جابر، عن عطية بن قيس، قال: قام ربيعة الجرشي في الناس فذكر حديثًا فيه طول، قال: فإذا عبد الرحمن بن غنم فقال: يمينًا حلفت عليها حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، والله يمينًا أخرى حدثني أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ). وفي حديث هشام: الخمير والحرير، وفي حديث دحيم: الخز والحرير والخمر والمعازف، فذكر الحديث ورواه عثمان بن أبي شيبة: حدثنا زيد بن الحباب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، حدثني حاتم بن حريث، عن مالك بن أبي مريم، قال: تذاكرنا الطلاق فدخل علينا عبد الرحمن بن غنم، فقال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكر الحديث بلفظه.

الرابع: أن البخاري لو لم يلقَ هشامًا، ولم يسمع منه فإدخاله هذا الحديث في صحيحه وجزمه به، يدل على أنه ثابت عنده عن هشام، فلم يذكر الواسطة بينه وبينه إما لشهرتهم وإما لكثرتهم، فهو معروف مشهور عن هشام تغني شهرته به عن ذكر الواسطة.

الخامس: أن البخاري له عادة صحيحة في تعليقه، وهي حرصه على إضافته الحديث إلى مَن علقه عنه إذا كان صحيحًا عنده، فيقول: وقال: فلان. وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وإن كان فيه علة قال: ويُذكر عن فلان أو ويذكر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن استقرأ كتابه علم ذلك، وهنا قد جزم بإضافة الحديث إلى هشام؛ فهو صحيح عنده.

السادس: أنه قد ذكره محتجًا به مدخلاً له في كتابه الصحيح أصلاً لا استشهادًا؛ فالحديث صحيح بلا ريب" انتهى.

قال الألباني في تحريم آلات الطرب: "تنبيه: لقد رأيت أيها القارئ الكريم كثرة من أخرج الحديث من الأئمة، وفي مصادر عديدة عن الصحابيين الجليلين: أنس، وعبد الرحمن، وهناك ثالث بنحوه، وزيادة في متنه أعرضت عن ذكره لشدة ضعف إسناده خرجته في "الضعيفة" (4095)، ومع هذا كله قال ابن حزم: في رسالته (ص97): "لا يدرى من رواه!"، وأكد ذلك في "محلاه"، فقال: (9/57-58): "لا ندري له طريقًا إنما ذكروه هكذا مطلقًا، وهذا لا شيء!".  فهذا من الأدلة الكثيرة على صحة قول الحافظ ابن عبد الهادي في ابن حزم: وهو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث وتضعيفه، وعلى أحوال الرواة. كما كنت نقلته عنه في "الصحيحة" بمناسبة تضعيف ابن حزم لحديث البخاري المتقدم".

قال الصنعاني -رحمه الله- في سبل السلام: "وأما ما لا يفعل إلا لمعصية: كالمزامير، والطنابير، ونحوها، فلا يجوز بيعها ولا شراؤها إجماعًا".

قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في فتح الباري (6/77): "الحديث الثاني (952): حدثنا عبيد بن إسماعيل: نا أبو اسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الانصار، تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث. قالت: وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر: مزامر الشيطان في بيت رسول الله -وذلك في يوم عيد-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا).

في هذا الحديث: الرخصة للجواري في يوم العيد في اللعب والغناء بغناء الأعراب. وإن سمع ذلك النساء والرجال، وإن كان معه دف مثل دف العرب، وهو يشبه الغربال. وقد خرجه البخاري في آخر (كتاب العيدين) من رواية الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان، والنبي متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي -صلى الله عليه وسلم- عن وجهه، فقال: (دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيْدٍ)، وتلك الأيام: أيام منى.

ولا ريب أن العرب كان لهم غناء يتغنون به، وكان لهم دفوف يضربون بها، وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من قتل فيها، وكانت دفوفهم مثل الغرابيل، ليس فيها جلاجل، كما في حديث عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: " أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ" وخرجه الترمذي وابن ماجه، بإسناد فيه ضعف.

فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرخص لهم في أوقات الأفراح: كالأعياد، والنكاح، وقدوم الغياب في الضرب للجواري بالدفوف، والتغني مع ذلك بهذه الأشعار، وما كان في معناها.

فلما فتحت بلاد فارس والروم ظهر للصحابة ما كان أهل فارس والروم قد اعتادوه من الغناء الملحن بالإيقاعات الموزونة على طريقة الموسيقى بالأشعار التي توصف فيها المحرمات من الخمور والصور الجميلة المثيرة للهوى الكامن في النفوس، المجبول محبته فيها، بآلات اللهو المطربة، المخرج سماعها عن الاعتدال، فحينئذ أنكر الصحابة الغناء واستماعه، ونهوا عنه وغلظوا فيه، حتى قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل". وروي عنه مرفوعًا.

وهذا يدل على أنهم فهموا أن الغناء الذي رخص فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه لم يكن هذا الغناء، ولا آلاته هي هذه الآلات، وأنه إنما رخص فيما كان في عهده، مما يتعارفه العرب بآلاتهم.

فأما غناء الأعاجم بآلاتهم فلم تتناوله الرخصة، وإن سمي غناءً، وسميت آلاته دفوفا، لكن بينهما من التباين ما لا يخفى على عاقل، فإن غناء الأعاجم بآلاتها يثير الهوى، ويغير الطباع، ويدعو إلى المعاصي، فهو رقية الزنا. وغناء الأعراب المرخص به، ليس فيه شيء من هذه المفاسد بالكلية البتة، فلا يدخل غناء الأعاجم في الرخصة لفظًا ولا معنى، فإنه ليس هنالك نص عن الشارع بإباحة ما يسمى غناءً ولا دفًا، وإنما هي قضايا أعيان وقع الإقرار عليها، وليس لها من عموم.

وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناء الأعاجم ودفوفها المصلصلة؛ لأن غناءهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات، بخلاف غناء الأعراب، فمن قاس أحدهما على الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل، فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب.

وقد صحت الأخبار عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بذم من يستمع القينات في آخر الزمان، وهو إشارة إلى تحريم سماع آلات الملاهي المأخوذة عن الأعاجم.

وقد خرَّج البخاري في "الأشربة" حديث عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك -أو أبي عامر- الأشعري، عن النبي في ذلك، كما سيأتي في موضعه -إن شاء الله سبحانه وتعالى-. فقال فيه: "قال هشام بن عمار"، فذكره. والظاهر: أنه سمعه من هشام، وقد رواه عن هشام الحسن بن سفيان النسوي، وخرجه من طريقه البيهقي وغيره، وخرجه الطبراني: نا محمد بن يزيد بن عبد الصمد، نا هشام بن عمار. فصح واتصل عن هشام. وخرجه أبو داود من وجه آخر مختصرًا.

وقد بيَّنت عائشة أن الجاريتين إنما كانا يغنيان بغناء بعاث، ويوم بعاث يوم من أيام حروب الجاهلية مشهور، وباؤه مثلثة وعينه مهملة، ومنهم من حكى أنها معجمة، قال الخطابي: هو يوم مشهور من أيام العرب، كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج، وبقيت الحرب قائمة مائة وعشرين سنة إلى الإسلام، على ما ذكره ابن إسحاق وغيره.

قالَ: وكان الشعر الذي تغنيان به في وصف الشجاعة والحرب، وهو إذا صرف إلى جهاد الكفار كان معونة في أمر الدين، فأما الغناء بذكر الفواحش والابتهار للحرم، فهو المحظور من الغناء، حاشاه أن يجري بحضرته شيء من ذلك فيرضاه، أو يترك النكير لهُ، وكل من جهر بشيء بصوته وصرح به فقد غنى به.

قالَ: وقول عائشة: "ليستا بمغنيتين"، إنما بينت ذلك؛ لأن المغنية التي اتخذت الغناء صناعة وعادة، وذلك لا يليق بحضرته، فأما الترنم بالبيت والتطريب للصوت إذا لم يكن فيهِ فحش، فهوَ غير محظور ولا قادح في الشهادة.

وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لا ينكر من الغناء النَّصْب والحداء ونحوهما، وقد رخص فيه غير واحد من السلف. قالَ: وقوله: (هَذَا عِيدُنَا) يريد أن إظهار السرور في العيد من شعار الدين، وحكم اليسير من الغناء خلاف الكثير" انتهى.

وفي الحديث ما يدل على تحريمه في غير أيام العيد؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- علل بأنها أيام عيد، فدل على أن المقتضي للمنع قائم، لكن عارضه معارض وهو الفرح والسرور العارض بأيام العيد. وقد أقر أبا بكر على تسمية الدف مزمور الشيطان، وهذا يدل على وجود المقتضي للتحريم لولا وجود المانع. وقد قال كثير من السلف، منهم: قتادة: "الشيطان قرآنه الشعر، ومؤذنه المزمار، ومصايده النساء". وروي ذلك من حديث أبي أمامة مرفوعًا.

وقد وردت الشريعة بالرخصة للنساء لضعف عقولهن بما حرم على الرجال من التحلي والتزين بالحرير والذهب، وإنما أبيح للرجال منهم اليسير دون الكثير، فكذلك الغناء يرخص فيه للنساء في أيام السرور، وإن سمع ذلك الرجال تبعًا؛ ولهذا كان جمهور العلماء على أن الضرب بالدف للغناء لا يباح فعله للرجال؛ فإنه من التشبه بالنساء، وهو ممنوع منه، هذا قول الأوزاعي وأحمد، وكذا ذكر الحليمي وغيره من الشافعية.

وإنما كان يضرب بالدفوف في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- النساء، أو من يُشبه بهن من المخنثين، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفي المخنثين وإخراجهم من البيوت، وقد نص على نفيهم أحمد وإسحاق، عملا بهذه السنة الصحيحة.

وسئل أحمد عن مخنث مات ووصى أن يحج عنه، فقال: "كسب المخنث خبيث، كسبه بالغناء". نقله عنه المروذي.

وفي تحريم ضرب المخنث بالدف حديث مرفوع، خرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف. فأما الغناء بغير ضرب دف، فإن كان على وجه الحداء والنَّصْب فهو جائز. وقد رويت الرخصة فيه عن كثير من الصحابة. والنَّصْب: شبيه الحداء، قاله الهروي وغيره، وهذا من باب المباحات التي تفعل أحيانًا للراحة.

فأما تغني المؤمن فإنما ينبغي أن يكون بالقرآن، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ) (رواه البخاري)، والمراد: أنه يجعله عوضًا عن الغناء فيطرب به ويلتذ، ويجد فيه راحة قلبه وغذاء روحه، كما يجد غيره ذلك في الغناء بالشعر.

وقد روي هذا المعنى عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أيضًا، وأما الغناء المهيج للطباع، المثير للهوى، فلا يباح لرجل ولا لامرأة فعله ولا استماعه؛ فإنه داع إلى الفسق والفتنة في الدين والفجور فيحرم كما يحرم النظر بشهوة إلى الصور الجميلة... فإن الفتنة تحصل بالنظر وبالسماع؛ ولهذا جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- زنا العينين النظر، وزنا الأذن الاستماع، ولا خلاف بين العلماء المعتبرين في كراهة الغناء وذمه، وذم استماعه، ولم يرخص فيه أحد يعتد به. وقد حكيت الرخصة فيه على بعض المدنيين. وقد روى الإمام أحمد، عن إسحاق الطباع، أنه سأل مالكًا عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. وكذا قالَ إبراهيم بن المنذر الحزامي، وهو من علماء أهل المدينة -أيضًا-.

وقد نص أحمد على مخالفة ما حكي عن المدنيين في ذلك، وكذا نص هو وإسحاق على كراهة الشعر الرقيق الذي يشبب به النساء. وقال أحمد: الغناء الذي وردت فيه الرخصة هو غناء الراكب: أتيناكم أتيناكم.

وأما استماع آلات الملاهي المطربة المتلقاة من وضع الأعاجم، فمحرم مجمع على تحريمه، ولا يعلم عن أحد منه الرخصة في شيء من ذلك، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يعتد به فقد كذب وافترى.

وأما دف الأعراب الخالي من الجلاجل المصوتة ونحوها فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب:

أحدها: أنه يرخص فيه مطلقًا للنساء. وقد روي عن أحمد ما يشهد له، واختاره طائفة من المتأخرين من أصحابنا، كصاحب "المغني"، وغيره.

والثاني: إنما يرخص فيه في الأعراس ونحوها، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وهو قول كثير من أصحابنا أو أكثرهم.

والثالث: أنه لا يرخص فيه بحال. وهو قول النخعي وأبي عبيد، وجماعة من أصحاب ابن مسعود كانوا يتبعون الدفوف مع الجواري في الأزقة فيحرقونها.

وقال الحسن: ليس الدف من أمر المسلمين في شيء. ولعله أراد بذلك دفوف الأعاجم المصلصلة المطربة.

وقد سئل أحمد على ذلك فتوقف، وكأنه حصل عنده تردد: هل كانت كراهة من كره الدفوف لدفوف الأعراب أو لدفوف الأعاجم فيه جرس؟ وقد قيل لأحمد: الدف فيهِ جرس؟ قال: لا.

وقد نص على منع الدف المصلصل.

وقال مالك في الدف: هو من اللهو الخفيف، فإذا دعي إلى وليمة، فوجد فيها دفًا فلا أرى أن يرجع. وقاله القاسم من أصحابه. وقال أصبغ -منهم-: يرجع لذلك.

وفي الرخصة في الدف في العيد أحاديث أخر، خرج ابن ماجه من رواية الشعبي، قال: شهد عياض الأشعري عيدًا بالأنبار، فقال: ما لي لا أراكم تقلسون كما يقلس رسول الله؟! ومن رواية الشعبي، عن قيس بن سعد، قال: ما كان شيء على عهد رسول الله إلا وقد رأيته، إلا شيء واحد، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقلس له يوم الفطر. قال يزيد بن هارون: التقليس: ضرب الدف.

وقال يوسف بن عدي: التقليس: أن يقعد الجواري والصبيان على أفواه الطرق، يلعبون بالطبل وغير ذلك. وقد بسطنا القول في حكم الغناء وآلات اللهو في كتاب مفرد، سميناه: "نزهة الأسماع في مسألة السماع"، وإنما أشرنا إلى ذلك هاهنا إشارة لطيفة مختصرة.

قال القرطبي -رحمه الله-: "قلت: من الغناء ما ينتهي سماعه إلى التحريم، وذلك كالأشعار التي توصف فيها الصور المستحسنات، والخمر، وغير ذلك مما يحرك الطباع ومخرجها عن الاعتدال، أو يثير كامنًا من حب اللهو؛ مثل قول بعضهم:

ذهبي اللون تحسب من        وجنتيه النار تقتدح

خـوفـوني من فضيحته         ليته وافى وأفتضح

لا سيما إذا اقترن بذلك شبابات وطارات مثل ما يفعل اليوم في هذه الأزمان، على ما بيناه في غير هذا الموضع" الجامع لأحكام القرآن (13/79).

وقال: "السادسة: وفي الآية ما يدل على تحريم المزامير والغناء واللهو؛ لقوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ) على قول مجاهد، وما كان من صوت الشيطان أو فعله وما يستحسنه فواجب التنزه عنه، وروى نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه سمع صوت زمارة فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم. فمضى حتى قلت له: لا. فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق. وقال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا. قال علماؤنا: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج على الاعتدال؛ فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة لقمان -إن شاء الله تعالى-" الجامع لأحكام القرآن (10/290).

وقال: "قوله -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)، (مِنْ): في موضع رفع بالابتداء. و(لَهْوَ الْحَدِيثِ): الغناء في قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما. وهو ممنوع بالكتاب والسنة، والتقدير: من يشتري ذا لهو أو ذات لهو؛ مثل: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، أو يكون التقدير: لما كان إنما اشتراها يشتريها ويبالغ في ثمنها كأنه اشتراها للهو. قلت: هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه. والآية الثانية قوله -تعالى-: (وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ)، قال ابن عباس: هو الغناء بالحميرية؛ اسمدي لنا، أي: غني لنا. والآية الثالثة قوله -تعالى-: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ)، قال مجاهد: الغناء والمزامير. وقد مضى في "سبحان" الكلام فيه.

وروى الترمذي عن أبي أمامة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) إلى آخر الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، إنما يروى من حديث القاسم عن أبي أمامة، والقاسم ثقة وعلي بن يزيد يضعّف في الحديث؛ قاله محمد بن إسماعيل. قال ابن عطية: وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد، وذكره أبو الفرج الجوزي عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والنخعّي.

قلت: هذا أعلى ما قيل في هذه الآية، وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات إنه الغناء. روى سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري قال: سئل عبد الله بن مسعود عن قوله -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) فقال: الغناء والله الذي لا إله إلا هو؛ يرددها ثلاث مرات. وعن ابن عمر أنه الغناء؛ وكذلك قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول.

وروى شعبة وسفيان عن الحكم وحماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب. وقاله مجاهد، وزاد: إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء وإلى مثله من الباطل. وقال الحسن: لهو الحديث المعازف والغناء. وقال القاسم بن محمد: الغناء باطل، والباطل في النار. وقال ابن القاسم: سألت مالكًا عنه فقال: قال الله -تعالى-: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ) أفحق هو؟! وترجم البخاري: "باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله، ومن قال لصاحبه: تعالَ أقامرك".

"من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين". فقيل: وما الروحانيون يا رسول الله؟ قال: "قراء أهل الجنة" خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول، وقد ذكرنا في كتاب التذكرة مع نظائره: "فمن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" إلى غير ذلك. وكل ذلك صحيح المعنى على ما بيناه هناك.

ومن رواية مكحول عن عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه". ولهذه الآثار وغيرها قال العلماء بتحريم الغناء. وهي المسألة الثانية: وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به، الذي يحرك النفوس ويبعثها على الهوى والغزل، والمجون الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن؛ فهذا النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق. فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح: كالعرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق وحدو أنجشة وسلمة بن الأكوع. فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة من الشبابات والطار والمعازف والأوتار فحرام.

قال ابن العربي: فأما طبل الحرب فلا حرج فيه؛ لأنه يقيم النفوس ويرهب العدو. وفي اليراعة تردد. والدف مباح. وربما سّموا قصبة الراعي التي يزمر بها هيرعة ويراعة. قال القشيري: ضرب بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم دخل المدينة، فهم أبو بكر بالزجر فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح"، فكن يضربن ويقلن: نحن بنات النجار، حبذا محمد من جار. وقد قيل: إن الطبل في النكاح كالدف، وكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يحسن من الكلام، ولم يكن فيه رفث.

المسألة الثالثة: الاشتغال بالغناء على الدوام سفه ترد به الشهادة، فإن لم يدم لم ترد. وذكر إسحاق بن عيسى الطباع قال: سألت مالك بن أنس عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. وذكر أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبريّ قال: أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جارية ووجدها مغنية كان له ردها بالعيب؛ وهو مذهب سائر أهل المدينة؛ إلا إبراهيم بن سعد فإنه حكى عنه زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأسًا. وقال ابن خويز منداد: فأما مالك فيقال عنه: إنه كان عالمًا بالصناعة وكان مذهبه تحريمها. وروي عنه أنه قال: تعلمت هذه الصناعة وأنا غلام شاب، فقالت لي أمي: أي بنّي، إن هذه الصناعة يصلح لها من كان صبيح الوجه ولست كذلك، فطلب العلوم الدينية؛ فصحبت ربيعة فجعل الله في ذلك خيرًا.

قال أبو الطيب الطبري: وأما مذهب أبي حنيفة فإنه يكره الغناء مع إباحته شرب النبيذ، ويجعل سماع الغناء من الذنوب. وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة: إبراهيم والشعبي وحماد والثوري وغيرهم، لا اختلاف بينهم في ذلك. وكذلك لا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهية ذلك والمنع منه؛ إلا ما روي عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسًا.

قال: وأما مذهب الشافعّي فقال: الغناء مكروه يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته.

وذكر أبو الفرج الجوزي عن إمامه أحمد بن حنبل ثلاث روايات قال: وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبدالعزيز إباحة الغناء، وإنما أشاروا إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزهديات؛ قال: وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد، ويدل عليه أنه سئل عن رجل مات وخلف ولدًا وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها؟ فقال: تباع على أنها ساذجة لا على أنها مغنية. فقيل له: إنها تساوي ثلاثين ألفًا؛ ولعلها إن بيعت ساذجة تساوي عشرين ألفًا؟ فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. قال أبو الفرج: وإنما قال أحمد هذا؛ لأن هذه الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهد، بل بالأشعار المطربة المثيرة إلى العشق.

وهذا دليل على أن الغناء محظور؛ إذ لو لم يكن محظورًا ما جاز تفويت المال على اليتيم، وصار هذا كقول أبي طلحة للنبي -صلى الله عليه وسلم-: عندي خمر لأيتام؟ فقال: أرِقْها. فلو جاز استصلاحها لما أمر بتضييع مال اليتامى. قال الطبري: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه. وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيدالله العنبري؛ وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: عليكم بالسواد الأعظم. ومن فارق الجماعة مات ميتة جاهلية. قال أبو الفرج: وقال القفال من أصحابنا: لا تقبل شهادة المغني والرقاص.

قلت: وإذ قد ثبت أن هذا الأمر لا يجوز فأخذ الأجرة عليه لا تجوز. وقد ادعى أبو عمر بن عبد البر الإجماع على تحريم الأجرة على ذلك. وقد مضى في الأنعام عند قوله: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ) وحسبك.

الرابعة: قال القاضي أبو بكر بن العربي: وأما سماع القينات فيجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته؛ إذ ليس شيء منها عليه حرامًا لا من ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها. أما أنه لا يجوز انكشاف النساء للرجال ولا هتك الأستار ولا سماع الرفث، فإذا خرج ذلك إلى ما لا يحل ولا يجوز منع من أوله واجتث من أصله. وقال أبو الطيب الطبري: أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم فإن أصحاب الشافعي قالوا: لا يجوز، سواء كانت حرة أو مملوكة. قال: وقال الشافعي: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته؛ ثم غلظ القول فيه فقال: فهي دياثة. وإنما جعل صاحبها سفيهًا؛ لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيهًا" الجامع لأحكام القرآن (14/53-56).

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "واستدل جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة -رضي الله عنها- في الحديث الذي في الباب بعده بقولها: "وليستا بمغنيتين"، فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت، وعلى الترنم الذي تسميه العرب: النَّصْب بفتح النون وسكون المهملة، وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنيًا، وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير، وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح. قال القرطبي قولها: "ليستا بمغنيتين" أي ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما، من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه. قال: وأما ما ابتدعه الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وأن ذلك يثمر سِنِيِّ الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل المُخرفة -والله المستعان-" انتهى. فتح الباري دار المعرفة (2/442).

قال القرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: "وليستا بمغنيتين: أي: ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز من الغناء المعتاد عند المشتهرين به، الذي يُحرك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل والمجون؛ الذي يحرِّك الساكن ويبعث الكامن. وهذا النوع إذا كان في شعرٍ يشبّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات؛ لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتفاق، فأما ما يسلم من تلك المحرمات، فيجوز القليل منه في أوقات الفرح؛ كالعرس والعيد، وعند التنشيط".

فتبين مما سبق أن الخلاف في هذه المسألة ليس خلافًا سائغًا.