كتبه/ رجب صابر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكرنا في المقال السابق أنواعًا من السجن أو الحبس أو الأسر هي أشد وأخطر من غيرها، ومع خطورتها لا يتفطن إليها كثير من الناس، وذلك بالتعليق على عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "المحبوس مَن حُبِس قلبه عن ربه، والمأسور مَن أَسَره هواه".
ومن خطورة مَن حُبست قلوبُهم عن الله وأسَرَهم هواهم: أن لبعضهم شِباكًا وشِراكًا؛ شِباكًا ينصبونها ليصطحبوا آخرين معهم، وشِراكًا يضعونها ليجذبوا غيرهم إليهم، والشيطان معين لهم على هذه الشِّراك والشِّباك.
لقد كان الكفار على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ذوي مكر واحتيال وربما أثروا بأقوالهم على الناس ليصرفوهم عن طاعة الله وتظل قلوبهم محبوسة عنه؛ فأبو طالب لم ينجُ من المشركين فقد زخرف له بعضهم الكفر عند موته محتالين عليه بعدم التخلي عن دين الآباء والأجداد؛ ففي الحديث: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية، فقال: (يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله! (متفق عليه).
فمات أبو طالب وهو محبوس القلب عن الله ومأسور لهواه.
وقد قال الله في وصف المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون: 4)، فهم من حسن منطقهم يُسمع لهم، وأجسامهم معجبة، لكن لا منفعة فيهم ولا ينال منهم إلا الضرر المحض، وقد حذرنا الله منهم فقال: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا . وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) (النساء: 88-89)، فينبغي ألا نغتر بأقوال المنافقين حتى لو كانوا من أبلغ الناس.
ولنحذر من الانجراف مع أهل البدع: فهم مع وقوعهم في أسر الهوى ربما أدت بهم بدعتهم إلى حبسهم في سجون الدنيا أيضًا؛ فضلاً أن ينجروا لسفك الدماء المعصومة، وإفساد الأموال المحرمة، فلا نغتر بما هم عليه حتى لو عرفوا بعبادة أو زهد أو فصاحة أو حسن وعظ، أو جرت على أيديهم بعض خوارق العادات.
إن الخوارج مع ضلالهم وبغيهم قد وصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاجتهاد في العبادة، فقال: (يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) (متفق عليه).
وعمرو بن عبيد المعتزلي وُصِف بأنه من أزهد الناس؛ قال حفص بن غياث: ما لقيت أزهد منه، وانتحل ما انتحل. وقد كان المنصور يعظم ابن عبيد، ويقول:
كـلـكـم يـمـشي رويـد
كـلـكـم يـطـلب صــيـد
غير عمرو بن عبيـد
قال الذهبي: "اغتر بزهده وإخلاصه، وأغفل بدعته" (سير أعلام النبلاء).
فكان عمرو بن عبيد زاهدًا لا يبتغي شيئًا من الدنيا لكنه كان رأسًا من رءوس أهل الضلال، حذر منه أهل العلم.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.