الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الخميس 24 سبتمبر 2026 - 13 ربيع الثاني 1448هـ

ردود العلماء على شذوذ الدكتور

كتبه/ أحمد الشريف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

فقد انتشر مقطع للدكتور "سعد الدين الهلالي" يقول فيه: إن لبس الذهب للرجال فيه رأيان، وإن سبعة من الصحابة كانوا يلبسونه، وإن الإمام أبا حنيفة -رحمه الله- يرى أنه لا يوجد ما يمنع الرجال من ارتداء الذهب!

وهذه الدعوى باطلة، مخالفة لما استقر عليه قول أئمة المذاهب، وما نُقِل من الإجماع في المسألة، وتحتاج إلى تحرير علمي دقيق، والرجوع إلى نصوص السنة الصحيحة، وإلى كلام أئمة الفقه والحديث، قبل إطلاق القول بوجود خلاف معتبر في مسألة استقر حكمها عند جماهير أهل العلم.

أولًا: نص دعوى الدكتور سعد الدين الهلالي:

"يوجد رأيان في لبس الرجال الذهب؛ لأن سبعة من الصحابة كانوا يرتدون خاتمًا من الذهب، والبراء بن عازب -رضي الله عنه- قال في حديث: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ألبسه خاتمًا من ذهب، وأبو حنيفة -رحمه الله- يرى أنه ليس هناك ما يمنع ارتداء الرجال الذهب".

وهذه الدعوى لا تصح بهذا الإطلاق؛ إذ لا بد من بيان السُّنة الصحيحة، ومذاهب الأئمة الأربعة، وحقيقة الروايات التي اسْتُدِلَّ بها على الإباحة، وبيان درجة كل رواية، وما قاله أهل العلم فيها.

ثانيًا: الأصل الثابت في السنة: تحريم ذهب الرجال:

1- حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي) (رواه أبو داود برقم 4057، والنسائي برقم 5144، وأحمد برقم 935، وابن ماجه برقم 3595)، وقد حسنه وصححه جماعة من أهل العلم.

وجه الدلالة: النص صريح في تحريم الذهب على ذكور الأمة، مع إباحته للإناث.

2- حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وجه الدلالة: الحديث يدل صراحة على اختصاص التحريم بالرجال، والإباحة بالنساء.

3- حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يلبس خاتمًا من ذهب، فنبذه وقال: (لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا)، فنبذ الناس خواتيمهم. (رواه البخاري ومسلم).

وجه الدلالة: هذا الحديث من أوضح الأحاديث في انتقال الحكم من الإباحة الأولى إلى النهي والتحريم؛ فقد ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- خاتم الذهب، وأعلن أنه لا يلبسه أبدًا، وتبعه الصحابة -رضي الله عنهم-. وهذا هو الحديث الناسخ لما كان من الإباحة الأولى؛ إذ جاء النهي بعد الإذن، واستقر الحكم على التحريم.

4- حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه-: قال -رضي الله عنه-: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ... وَنَهَانَا عَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ..." (رواه البخاري ومسلم).

وجه الدلالة: هذا حديث صحيح ثابت في الصحيحين، وهو نص صريح في النهي عن خاتم الذهب للرجال.

ثالثًا: روايات الإباحة وخاصة رواية البراء، والجواب عنها:

وهنا ينبغي التنبيه أولًا إلى أن الرواية التي يُسْتَدَلّ بها على إباحة الذهب للبراء -رضي الله عنه-، وفيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "الْبَسْ مَا كَسَاكَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" ليست في الصحيحين، وإنما أخرجها الإمام أحمد -رحمه الله- في «المسند» برقم 18602، وأبو يعلى -رحمه الله- برقم 1708.

وقد حكم عليها الذهبي -رحمه الله- بأنها منكرة، كما حكم عليها الألباني -رحمه الله- بالنكارة في «السلسلة الضعيفة» رقم: (6610)، وكذلك ذكر شعيب الأرناؤوط -رحمه الله- أن إسنادها ضعيف، وفي متنها نكارة.

وعليه؛ فلا يصح جعل هذه الرواية الضعيفة، التي حكم عليها بعض أهل الحديث بالضعف والنكارة، أساسًا لإثبات حكم عام يعارض الأحاديث الصحيحة الثابتة في النهي عن ذهب الرجال.

ومع ذلك، فلو فُرِض صحة الرواية، فقد أجاب أهل العلم عنها بأجوبة:

1- القول بالنسخ:

نقل ابن حجر -رحمه الله- عن الحازمي -رحمه الله- في «فتح الباري» قوله في رواية البراء:

"إسناده ليس بذاك، ولو صح فهو منسوخ". وعلى هذا القول: فلو صحت رواية الإباحة، فهي متقدمة، ثم جاء النهي بعد ذلك، فنسخ الحكم الأول، واستقر الأمر على تحريم الذهب على الرجال، وهذا هو جواب النسخ الذي ذكره أهل العلم في هذه الرواية.

2- القول بالخصوصية:

ذهب بعض أهل العلم إلى احتمال أن يكون ذلك خاصًّا بالبراء -رضي الله عنه-، بسبب قوله -صلى الله عليه وسلم- له في الرواية: "الْبَسْ مَا كَسَاكَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ".

3- أن حديث النهي أصح وأثبت:

فحديث النهي عن خاتم الذهب ثابت في الصحيحين، بينما الرواية التي يُسْتَدَلّ بها على الإباحة قد تكلم أهل الحديث في إسنادها ومتنها، وحكم بعضهم عليها بالضعف والنكارة، وعليه، فلا يصح تقديم رواية ضعيفة أو منكرة على حديث صحيح ثابت في الصحيحين.

رابعًا: ما نُقِل عن بعض الصحابة من لبس الذهب:

قد نُقِلَت آثار عن بعض الصحابة في لبس خاتم الذهب، ومنهم البراء بن عازب -رضي الله عنه- وغيره، لكن هذه الآثار لا تصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي، ولا سيما مع احتمال تقدم بعض تلك الآثار على استقرار الحكم، أو عدم بلوغ النهي إلى بعض من نُقِل عنه ذلك، أو حَمْل الرواية على وجه خاص.

وعلى فرض صحة بعض تلك الآثار، فإنها لا تعارض النصوص الصحيحة الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا ما استقر عليه قول أئمة المذاهب.

والقاعدة أن فعل الصحابي لا يُقَدَّم على النص النبوي الصحيح الصريح.

خامسًا: نصوص أئمة المذاهب الأربعة في تحريم خاتم الذهب للرجل:

1- المذهب الحنفي: جاء في «الهداية» للمرغيناني -رحمه الله-: "خاتم الذهب للرجال حرام" (الهداية شرح البداية، 4/ 82).

كما أن كتب الحنفية تفصِّل في بعض صور الذهب اليسير، أو التابع، أو المموه، وهذا لا يعني إباحة خاتم الذهب المستقل للرجل.

2- المذهب المالكي: جاء في «حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني» تقرير تحريم تختم الرجل بالذهب. (حاشية العدوي، 2/ 448). كما نقلت كتب الفقه المالكي النهي عن تختم الرجال بالذهب.

3- المذهب الشافعي: قال الإمام النووي -رحمه الله- في (المجموع): "الذهب حرام على الرجال فيما عدا ما تقضي الضرورة باستعماله منه". وقال في موضع آخر: "أجمع العلماء على تحريم استعمال حلي الذهب على الرجال" (المجموع، 4/ 440).

4- المذهب الحنبلي: جاء في «الإقناع» للحجاوي -رحمه الله- تقرير تحريم خاتم الذهب على الرجال. (الإقناع، 1/ 273). وجاء كذلك في «الفروع» لابن مفلح -رحمه الله- (4/ 158) تقرير الحكم نفسه.

سادسًا: نصوص الإجماع عند أهل العلم:

قال الإمام النووي -رحمه الله-: "وأجمعوا على تحريمه على الرجال" (شرح صحيح مسلم، 14/ 65).

وقال -رحمه الله-: "أجمع العلماء على تحريم استعمال حلي الذهب على الرجال" (المجموع، 4/ 440).

وقال ابن عبد البر -رحمه الله- في تقريره لحكم التختم بالذهب: "إنه لا يعلم أحدًا من أئمة الفتوى أجاز ذلك للرجال".

فهذا يدل على أن القول المعتمد عند أئمة الفقه هو تحريم خاتم الذهب على الرجال، وأن ما يُنْقَل من أقوال شاذة أو روايات غير ثابتة لا يجوز أن يُجْعَل هو الأصل في المسألة.

سابعًا: المسائل الفقهية بالأدلة:

المسألة الأولى: خاتم الذهب للرجل:

يحرم على الرجل التختم بخاتم الذهب، وهذا هو مذهب المذاهب الأربعة.

المصادر:

- الحنفية: «الهداية»، 4/ 82.

- المالكية: «حاشية العدوي»، 2/ 448.

- الشافعية: «المجموع»، 4/ 440.

- الحنابلة: «الإقناع»، 1/ 273.

وقد نص أهل العلم على اتفاق المذاهب الأربعة في أصل تحريم تختم الرجل بالذهب.

المسألة الثانية: الذهب اليسير في خاتم الرجل:

هذه المسألة فيها تفصيل بين الفقهاء، إلا أن الشافعية يرون تحريم الخاتم الذي يدخل فيه الذهب ولو قل، وكذلك هو قول عند المالكية ووجه عند الحنابلة.

قال الإمام النووي -رحمه الله- في  (المجموع، 4/ 440): واستدلوا بعموم النهي، ومنه حديث علي -رضي الله عنه-: "نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ" (رواه مسلم).

المسألة الثالثة: اتخاذ الأنف والسن من الذهب:

يجوز اتخاذ الأنف أو السن من الذهب عند الضرورة والحاجة، وقد نص على ذلك جمهور الفقهاء:

- المالكية: «مواهب الجليل»، 1/ 181.

- الشافعية: «المجموع»، 1/ 256.

- الحنابلة: «كشاف القناع»، 2/ 238.

- الحنفية: «الهداية»، 4/ 82، مع التفصيل في المذهب.

وهذا استثناء مبني على الحاجة والضرورة، وليس إباحة مطلقة للتحلي بالذهب.

المسألة الرابعة: المموه والمطلى بالذهب:

هذه المسألة فيها تفصيل فقهي بحسب حقيقة الطلاء، ومقدار الذهب، وهل تبقى عين الذهب ظاهرة أو لا؟ لكن لا يصح جعل وجود خلاف في بعض صور التمويه واليسير ذريعة لإباحة خاتم الذهب المستقل للرجل؛ لأن أصل تحريم التختم بالذهب ثابت في المذاهب الأربعة.

ثامنًا: الرد على دعوى أن الإمام أبا حنيفة يبيح ذهب الرجال:

هذه العبارة تحتاج إلى تفصيل؛ فليس صحيحًا إطلاق القول بأن مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- يبيح للرجال خاتم الذهب. وقد نقلت المصادر الفقهية المعتمدة في المذهب الحنفي تحريم تختم الرجل بخاتم الذهب، ومن ذلك «الهداية» للمرغيناني -رحمه الله-، 4/ 82.

أما ما ورد في كتب الحنفية من تفصيل في بعض صور التمويه، أو الذهب اليسير التابع لغيره، فلا يجوز نقله على أنه إباحة مطلقة لخاتم الذهب.

والفرق كبير بين: خاتم ذهب مستقل مقصود للتحلي، وبين:

- ذهب يسير تابع أو مموه أو داخل في صناعة شيء آخر، وله أحكامه التفصيلية.

وبين:

- استعمال الذهب للضرورة والحاجة، كالأنف أو السن.

فجَمْع هذه الصور كلها في حكم واحد خطأ في تحرير محل النزاع.

تاسعًا: الخلاصة العلمية:

1- ثبتت أحاديث صحيحة صريحة في النهي عن خاتم الذهب للرجال.

2- حديث البراء -رضي الله عنه- في النهي عن خاتم الذهب ثابت في الصحيحين.

3- الرواية التي فيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للبراء -رضي الله عنه-: "خُذْ، الْبَسْ مَا كَسَاكَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" قد حكم عليها عدد من أهل الحديث بالضعف والنكارة، فلا يصح جعلها أصلًا لإباحة الذهب للرجال.

4- وعلى فرض ثبوتها، فقد نقل أهل العلم القول بأنها منسوخة بالنهي المتأخر، كما نقل ابن حجر -رحمه الله- عن الحازمي -رحمه الله-: "ولو صح فهو منسوخ".

5- ونُقِلَت أجوبة أخرى؛ منها: حملها على الخصوصية، أو الجمع بينها وبين أحاديث النهي بحسب تاريخ الروايات.

6- استقر قول أئمة المذاهب الأربعة على تحريم خاتم الذهب للرجل.

7- لا يصح إطلاق نسبة إباحة خاتم الذهب للرجال إلى الإمام أبي حنيفة -رحمه الله-، مع ثبوت نصوص المذهب في التحريم.

8- أما مسائل الذهب اليسير، والتمويه، والضرورة، والأنف والسن، فلها تفصيل فقهي خاص، ولا يصح جعلها دليلًا على إباحة التحلي بخاتم الذهب للرجل.

الخاتمة والنصيحة:

يا دكتور سعد! اتَّقِ اللهَ فيما تنسبه إلى الصحابة وأئمة الإسلام، وتَحَرَّ الدقة في نقل الأحكام الشرعية.

فهذه مسألة علمية لا يصح أن تُبْنَى على رواية ضعيفة أو منكرة، ولا على قول منسوب إلى إمام دون الرجوع إلى كتب مذهبه المعتمدة.

وإذا وُجِدَت رواية ظاهرها الإباحة، فالواجب أن تُجْمَع مع أحاديث النهي، وأن يُنْظَر في صحتها، وتاريخها، ودلالتها، وكلام أئمة الحديث والفقه عليها.

وقد ثبتت أحاديث النهي في أصح الكتب، وثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نبذ خاتم الذهب وقال: (لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا). وثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث البراء السابق الذكر: "وَنَهَانَا عَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ...".

فليس من الإنصاف العلمي أن تُقَدَّم رواية ضعيفة حكم عليها بعض أهل الحديث بالضعف والنكارة، على أحاديث صحيحة ثابتة في الصحيحين.

والواجب على العالم أن ينقل كلام الأئمة من مصادره الأصلية، وأن يذكر القول مع سياقه وتفصيله، وألا يقتطع من كلام الفقهاء ما يوهم خلاف مرادهم.

فراجع -يا دكتور- كتب المذاهب وأصولها: كـ«الهداية»، و«المدونة»، و«المجموع»، و«المغني»، و«الإقناع»، و«بدائع الصنائع»، وغيرها من كتب الفقه المعتمدة، قبل أن تنسب إلى الصحابة أو إلى الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- ما يحتاج إلى تحقيق وتحرير.

فهذا علم دين، والكلمة فيه أمانة، والعالم مسؤول عما يقول وينقل.

ولا أعلم سببًا، ولا أدري ما المصلحة، في الحرص على نقل الأقوال الشاذة والغريبة والعجيبة في الفتاوى، دون بيان درجتها ومكانتها العلمية، ودون وضعها في سياقها الفقهي الصحيح.

ولا أدري العلة في مخالفة إجماع الأمة، والخروج عن قول جماهير أهل العلم في مسألة دلت عليها الأحاديث الصحيحة، ونص عليها أئمة المذاهب.

وماذا ستقول لربك غدًا إذا سُئِلْت عن علمك: فيما عملت به؟ وماذا نقلت للناس؟ وكيف نقلت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعن أصحابه وأئمة الإسلام؟

نسأل الله لنا ولك الهداية والسداد، وأن يرزقنا جميعًا العلم النافع، والعمل الصالح، والصدق في القول، والأمانة في النقل.

والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.