الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 02 نوفمبر 2026 - 22 جمادى الأولى 1448هـ

الوزير نظام المُلْك مهندس الدولة السلجوقية.. أربعون عامًا في صناعة المجد (1)

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فنظام المُلْك هو: أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق، قوام الدين الطوسي، والراجح أنه فارسي الأصل، وتشير بعض المصادر إلى أن والده كان دِهْقَانًا -اسم يُطْلَق على أحد وجهاء القرية-، ولعله كان يعمل قبل ذلك جنديًّا لدى محمود بن سبكتكين.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وكان أبوه من أصحاب محمود بن سبكتكين، وكان من الدهاقين، فأشغل ولده هذا، فقرأ القرآن وله إحدى عشرة سنة، وأشغله بالعلم والقراءات والتفقه على مذهب الشافعي، وسماع الحديث واللغة والنحو، وكان عالي الهمة، فحَصَّل من ذلك طرفًا صالحًا" (البداية والنهاية لابن كثير 11/ 143).

وُلِد الحسن نظام المُلْك بالقرب من مدينة طوس بإقليم خراسان عام (408هـ/ 1019م)، وقد تُوُفِّيَت والدته خلال فترة طفولته، فنشأ تحت رعاية والده.

تعلم اللغة العربية في فترة مبكرة من حياته، وتفرغ لقراءة القرآن ودراسة علم الحديث، ورغم فَقْده لأمه في بداية حياته، وتدهور الحالة المادية لأبيه، إلا أنه برع في فنون العلم وواجه بعض التحديات بكل قوة وعزيمة ومصابرة.

كان نظام المُلْك كثير التأمل، طويل الصمت، يجالس العلماء والفقراء، وكان متدينًا، وإذا سمع الأذان أمسك عن جميع ما هو فيه، وقِيل: إنه ما جلس إلا على وُضُوء، وما تَوَضَّأ إلا تَنَفَّل.

تعلَّم نظام المُلْك الفقه على يد بعض علماء الشافعية والحنفية.

ولكنه كان أشعريَّ العقيدة، وهذا مخالف لمنهج أهل السنة؛ مما أثّر نقصًا خطيرًا في هذه الممالك، مع الاعتذارِ عنه بقلة البضاعة في علوم الكتاب والسنة في زمنه عمومًا، فكان مقلدًا لمن يراهم من العلماء دون أن يرى غيرهم، مع انشغاله بالوظائف ثم المُلك.

وقد قام نظام الملك بدور كبير في نشر الثقافة والمعرفة، حتى إنه قد أنشأ بعض المدارس التي نُسِبت إليه فسميت النظامية، وكان نظام الملك يهدف من وراء إقامة هذه المدارس السنية مناهضة المذهب والفكر الشيعي.

وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن نظام المُلْك قام بتأسيس مدرسة في كل موضع من البلاد، وقد خَصَّص لطلاب العلم وظائف ورواتب.

لقد عرف نظام المُلْك قيمة التربية، فبناء الإنسان هدف أي قوة إصلاحية في المجتمع، وقد انتقى نظام المُلْك المربين لإدارة المدارس، ليجمع بين العلم والوَرَع والأخلاق الكريمة؛ فأسند إلى أبي حامد الغزالي التدريس بمدرسة بغداد، وإلى إمام الحرمين أبي المعالي الجويني التدريس بمدرسة نيسابور.

وكان مجلس نظام المُلْك مجمع الفضلاء، فوقع لأبي حامد في مجلسه ملاقاة الفحول ومناظرة الخصوم في فنون العلوم، فأقبل نظام المُلْك عليه وانتشر ذِكْره في الآفاق.

رحل نظام المُلْك من مدينة طوس إلى مدينة غزنة حيث عمل في ديوان السلطان، ثم غادرها بعد فترة إلى خراسان، وأخذ نظام المُلْك يتدرج في المناصب والوظائف المختلفة حتى أصبح يتمتع بمكانة كبيرة في نفوس سلاطين السلاجقة وعلى رأسهم ألب أرسلان الذي منحه لقب أتابك، وهو من الألقاب الفخرية بمعنى أمير، وذلك تقديرًا لخدماته وتكريمًا لشخصه.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.