الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 04 نوفمبر 2026 - 24 جمادى الأولى 1448هـ

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (37) اسم الله (المجيب) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- التعرُّف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم).

- ورد اسمه سبحانه (المجيب) مرة واحدة في القرآن، وذلك في قوله -تعالى-: (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) (هود: 61). وورد بصيغة الجمع في قوله -تعالى-: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) (الصافات: 75).

- المعنى في حق الله -تعالى-: قال ابن منظور -رحمه الله-: "(المجيب) وهو الذي يقابل الدعاء والسؤال بالعطاء والقبول -سبحانه وتعالى-" (لسان العرب). وقال السعدي: "من أسمائه المجيب لدعوة الداعين، وسؤال السائلين وعباده المستجيبين".

وقال ابن القيم -رحمه الله- في نونيته(1):

وهو المجيب يقول من يدعو أجبه         أنـا الـمـجـيـب لـكـل مـن نـادانـي

وهو المجيب لدعوة الـمضـطـر إذ         يـدعــوه فـي سـر وفـي إعــــلان

الوقفة الأولى: بيان مراتب الاستجابة:

- كثير من الناس يختل تعبدهم باسم الله "المجيب" لجهلهم بفقه مراتب الاستجابة: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). قال ابن عبد البر -رحمه الله-: "فيه دليل على أنه لا بد من الإجابة على إحدى هذه الأوجه الثلاثة".

- أمثلة للوجه الأول (إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ): عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الأحزاب، فقال: (اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الْأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ) (رواه البخاري ومسلم)، فاستجاب الله دعاءه -صلى الله عليه وسلم- ، وتغيرت الأحوال، وتبدلت إلى خير حال للمسلمين، ونزلت الهزيمة، فأرسل عليهم الريح والملائكة تزلزل قلوبهم، وتقلع خيامهم، وتكفئ قدورهم، وتطفئ نارهم، ففروا هاربين، وتركوا من متاعهم ما تركوا غنيمة للمسلمين من غير حرب ولا قتال: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) (الأحزاب: 25).

- أمثلة للوجه الثاني (وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ): عن عطاء بن رباح، قال لي ابن عباس - رضي الله عنهما- : (أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا) (رواه البخاري ومسلم).

- أمثلة للوجه الثالث (وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا): رُوي عن بعض السلف: (أنه كان يسأل الله الغزو، فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أُسرت، وإن أُسِرت تنصرت). (صيد الخاطر). وقال ابن القيم -رحمه الله-: "فقضاؤه لعبده المؤمن عطاء وإن كان في صورة المنع، ونعمة وإن كانت في صورة محنة، وبلاؤه عافية وإن كان في صورة بلية" (مدارج السالكين). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) (رواه البخاري ومسلم). وفي رواية لمسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ) (رواه مسلم)(2).

الوقفة الثانية: مواطن للدعاء يحبها "المجيب" سبحانه:

الأول: الدعاء في ثُلث الليل الآخر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) (رواه البخاري ومسلم).

الثاني: الدعاء في آخر ساعة من يوم الجمعة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، لَا يُوجَدُ فِيهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا آتَاهُ إِيَّاهُ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني).

الثالث: الدعاء في سجود الصلاة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ) (رواه مسلم). وقال: (وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ) (رواه مسلم).

الرابع: الدعاء بين الأذان والإقامة، وحين التقاء الصَّفين في الجهاد، لِما ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني). وصحَّ أن سهلًا -رضي الله عنه- قال: "سَاعَتَانِ تُفْتَحُ لَهُمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ: حَضْرَةُ النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ، وَالصَّفُّ فِي سَبِيلِ اللهِ" (رواه مالك في الموطأ، وصححه الألباني).

الخامس: الدعاء للغير بظهر الغيب، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ) (رواه مسلم).

الوقفة الثالثة: الآثار الإيمانية لاسم الله "المجيب":

1- قوة اليقين والرجاء بأن الله سيستجيب الدعاء، مما يملأ القلب بالرجاء ويذهب عنه اليأس والقنوط: قال -تعالى-: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (النمل: 62).

- وقد ذكر الله -تعالى- في القرآن كثيرًا من الأمثلة لإجابته -سبحانه- لدعاء أنبيائه -عليهم الصلاة والسلام-: فقال -تعالى-: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) (الصافات: 75- 76). وقال الله سبحانه: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء: 83- 84). وقال الله عز وجل: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء: 87- 88).

وقال الله -تعالى-: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الأنبياء: 89- 90).

2- مِن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم أن يكون المؤمن مجيبًا أولًا لربه -تعالى- فيما أمره به ونهاه عنه، ثم لعباده فيما أنعم الله عليه بالاقتدار عليه: قال -تعالى-: (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ) (الشورى: 47). وقال -تعالى-: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) (الضحى: 10).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ما أحوجنا إلى التعبد لله والدعاء بهذا الاسم الجليل (المجيب)، الذي هو ملاذ كل آيس وطامع، وسبيل كل سالك أو ضائع، فحين تضيق بهم السبل، وتتقطع بهم الأسباب، ويصم الناس عنهم الآذان، ويُعرِض الأخ عن أخيه، والابن عن أبيه، كلٌّ مشغول بنفسه، أبوابهم مغلقة، والدروب نائية بعيدة، لا يجدون ملجأً ولا ملاذًا ولا بابًا مفتوحًا سوى باب المولى -سبحانه وتعالى- القريب المجيب، لا يُغلقه في وجه طارق أبدًا، بل هو دائمًا مفتوح ينتظر من يُنيخ عنده الرِّحال؛ فالله -تعالى- هو الجواد الكريم، السميع البصير، القريب المجيب.

(2) الإنسان لا يعلم عاقبة أمره، فربما يطلب ما لا تُحمد عاقبته، وربما كان فيه ضرره، والمدبر له أعلم بمصالحه: قال -تعالى-: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة: 216). ومن أسرار الآية: ألا يقترح على ربه، ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعل فيه مضرته وهو لا يعلم، فلا يختار على ربه، بل يسأله حسن العاقبة فيما يختار له، فإنه لا شيء أنفع له من ذلك. واختيار الله لعبده خير من اختيار العبد لنفسه، فهو سبحانه أرحم بعباده من أنفسهم وأمهاتهم، وإذا أنزل بهم ما يكرهون فإنه خير لهم من ألا ينزل بهم، إحسانًا إليهم ولطفًا بهم، فإذا سلَّم العبد لله، وأيقن أن الملك ملك الله، والأمر أمره، وأنه أرحم به من نفسه، طاب قلبه، قُضيت حاجته أم لم تُقض. (انظر: مدارج السالكين).