الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتستنكر "الدعوة السلفية بمصر" بأشدِّ العبارات قيام متطرف أمريكي نَكِرَة بتمزيق المصحف الشريف في مؤتمر استعراضي، مُسْتَغِلًّا -للأسف- إحدى الكنائس في ولاية نيويورك لتكون مسرحًا لاستعراضه القميء!
وليست هي المرة الأولى التي يحاول فيها هذا المتطرف تمزيق المصحف؛ فقد حاول أكثر من مرة تمزيق المصحف الشريف في عِدَّة تظاهرات عامة، ولكن حِيل بينه وبين ذلك عن طريق متظاهرين يناهضون أفعاله الخبيثة، فاختار مكانًا مغلقًا للقيام باستعراضه، وللأسف سُمِح له بهذا الفعل الشنيع داخل تلك الكنيسة، تحت ذريعة حرية التعبير! فقبَّحه الله وقبَّح حرية تُعْطَى لمثله.
ولا يمكن فصل أفعال ذلك المتطرف عن محيط أوسع، ونمو متصاعد لليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا، يدعمه إعلام مُوَجَّه يَحْشِد في عقول الغربيين الكذب والشائعات والشبهات التي تُنَفِّرهم عن الإسلام وتُخَوِّفهم منه؛ ليحولوا بينهم وبين الإسلام الذي فيه الهداية من حيرة التخبط في الحضارة الغربية المادية البائسة.
وكتاب الله الكريم محفوظ بحفظ الله له: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9)، حفظه الله -سبحانه وتعالى- بلا تحريف ولا تبديل، بل اعتنى به المسلمون حفظًا وتفسيرًا وتدبرًا، واستخرجت منه علوم كثيرة، وهو دستور أهل الإسلام؛ جعله الله لهم هاديًا ونذيرًا، وهو شفاء لما في الصدور، يشرح الله به صدور المؤمنين فيذوقون الأمان تحت سلطانه، واللذة عند القيام به آناء الليل، فخير الناس مَنْ تَعَلَّمَه وَعَلَّمَه، وهو يُحَاجُّ عن صاحبه في قبره، وهو رفعة للدرجات يقرأه صاحبه فيرتقي في درجات النعيم.
وإنك لتعجب لقانون أمريكي يحمي الحمقى حين ينتهكون حرمة المقدَّسات الدينية تحت ذريعة حماية حرية التعبير، ثم لا يسمحون لأحدٍ أن ينتقِدَ جرائم اليهود، بل ويتم التنكيل بالصحفي أو الإعلامي الذي ينتقد سياسات الكيان الصهيوني، بل لا يسمحون بمجرد التشكيك في أعداد مَنْ قَتَلهم هتلر مِنْ يهود!
إنَّ تسامح الغرب مع مثل هذه الأفعال الشنيعة من إهانة مقدسات المسلمين والتعدي على المصحف الشريف يظهر تناقض الغرب وازدواجية معاييره، حين تجده يتشدد ضد المظاهر والشعائر الإسلامية، بل ربما صَنَّفت بعض مراكزه البحثية مَنْ يحافظ على الصلاة بأنه متطرف، وصنَّفت المؤسساتِ الدينية إذا أظهرت قدرًا من التمسُّك بالكتاب والسُّنة بأنها متطرفة كذلك، ثم يطلق لسفهائه العنان تحت ذريعة الحرية، وهو الذي سَلَب بالأمس القريب الحرية من شعوب وأمم الأرض ونَهَب خيراتِهم، وما زال إلى يوم الناس هذا يتسلَّط على رقاب تلك الدول والشعوب.
وتهيب "الدعوة السلفية" بالدول والمنظَّمَات الإسلامية باستخدام كلِّ أدوات الضغط المتاحة للحيلولة دون تكرار هذه الأفعال المشينة والجرائم القبيحة التي تخرج من بعض المتطرفين الراغبين في الشهرة؛ فهذه الدول التي تسمح بالتعدي على المقدسات حين تذوق وبال أمرها ويُضغَط جماعيًّا على صانع القرار فيها ستُقْدِم على منع سفهائها من هذه الرعونة.
إن أبلغ رَدٍّ يقوم به المسلم هو تمسُّكه بكتاب ربه؛ حفظًا وتلاوةً وتدبرًا: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) (الإسراء: 106)، والسير على هداه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء: 9)، والاستضاءة بنوره ففيه تبيان كل شيء: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 89).
فاللهم كلُّ مَن أراد بالإسلام سُوءًا؛ فاشغله بنفسه، واجعل كيدَه في نحرِه، وانتقم منه فإنك أنت القوي العزيز.
الدعوة السلفية بمصر
الجمعة 29 ربيع الأول 1448هـ
11 سبتمبر 2026م