كتبه/ عبد العزيز خير الدين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمَن يعي ويفهم السنن الإلهية، ويحتاط لها، لا يصطدم بالابتلاءات، ويكون على حذر ولا ينتكس، بل يجاهد نفسه في كيفية التغلب عليها والتعامل معها والوصول بنفسه إلى بر الأمان.
ومن هذه السنن الإلهية: (الاستدراج)، وهو: أن يعطي الله العبد من الدنيا ومن النعم رغم معاصيه؛ كما جاء في مسند أحمد، والبيهقي، والطبراني بسند حسن، من حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ) (رواه أحمد، والطبراني، بسند جيد)، ثم تلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (الأنعام: 44).
والنظر في أحوال الدول والمجتمعات قديمًا وحديثًا ممَّن كفروا بالله -عز وجل- كيف كان ينعم الله عليهم ويرزقهم، بل يزيدهم من التفوق في جميع المجالات، اقتصاديًّا وعسكريًّا وعلميًّا وصحيًّا ليس حبًّا فيهم، بل عدلًا منه -سبحانه- واستدراجًا لهم، حتى إذا استمروا في عصيانهم عاقبهم بما يستحقون؛ قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (الأعراف: 182- 183).
وحتى لا يظن الغافل أن هذه النعم تكريمٌ له ومسارعة في الخيرات، أو استحقاق وفضل وتكريم له، بل هو في حقيقة الأمر استدراج وابتلاء، فقد بيَّن ذلك رب العزة فقال: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ . نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ) (المؤمنون: 55- 56).
أعطى الله لفرعون ما لم يعطه لغيره من قوة، وعتاد وأسلحة، وجنود، وحاشية، فطغى وتكبر، وادعى الألوهية من دون الله عز وجل، فاستدرجه الله تبارك وتعالى وأمهله فاغتر بما منحه الله إياه فكانت عقوبته في الدنيا الغرق والموت كافرًا، بالإضافة إلى العقوبة المنتظرة في الآخرة.
أنعم الله على قارون وأعطاه مالًا لا يستطيع حمل مفاتيح خزائنه إلا مجموعة من الرجال، وبعد أن نصحه قومه وأخبروه أن هذا استدراج من الله تبارك وتعالى وذكروه بضرورة العمل للآخرة، وحقيقة الدنيا، ومقابلة الإحسان بالإحسان، لكنه طغى وتكبر وقال إنما أوتيته على علم عندي، وكانت عقوبته في الدنيا أن خسف الله به وبداره الأرض.
أخي القارئ: إن كنت في نعمة من نعم الله وما أكثرها، فلتقف مع نفسك وقفة المحاسب والمراجع لها، ولا تنشغل إلا بالغاية التي خلقنا الله من أجلها، واجعل كل هذه النعم وسيلة للوصول إلى مرضاة رب العالمين، فالله -عز وجل- يمهل عباده ليتوب عاصٍ، ويعدل ظالم، وينتبه غافل، ويرشد تائه، ويملي لأعدائه استدراجًا لهم ومكرًا بهم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم.
قال بعض السلف -رحمهم الله-: رُبَّ مُسْتَدْرَجٍ بنعم الله عليه وهو لا يعلم، ورُبَّ مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم، ورُبَّ مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم.
فحريٌّ بأهل الإيمان والطاعة أن يفهموا سُنَّة الاستدراج الرباني، وأن يخشوها، وأن يتلمسوا طرق النجاة فيها، بالإقبال على الطاعة، ولزوم التوبة، وشكر النعم، والحذر من الغفلة والاستكبار والغرور.