الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 07 سبتمبر 2026 - 25 ربيع الأول 1448هـ

نور الدعوة ونار الجدال

كتبه/ محمد صادق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالدعوة إلى الله نور يهدي القلوب برفق، والجدال بغير علم نار تحرقها بالكبر والخصومة، فما أكثر من أرادوا نصرة الحق، فأطفأوه بأسلوبهم، وما أهون الكلمة إن خرجت بلا نية صافية ولا قلب رحيم.

بين نور الدعوة ونار الجدال، تتمايز القلوب: قلب يبلِّغ عن الله، وقلب يجادل باسمه ليثبت ذاته؛ قال الله -تعالى-: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125).

وقد جعل الله الجدال في الدين مشروعًا حين يكون بالحسنى، ومذمومًا حين يتحول إلى صراع للغلبة والرياء؛ قال -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ) (الحج: 8).

والداعية الصادق لا يريد أن ينتصر في النقاش، بل أن ينقذ قلبًا من الضلال؛ ولذلك كانت مهمة الأنبياء بلاغًا لا خصومة، وحوارهم قائمًا على البيان لا الإهانة، وعلى الرحمة لا التحدي، قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ) ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، فمَن جعل الجدال دَيْدَنه، خسر الهداية وإن كان حافظًا للنصوص.

وإنما الدعوة نور يُسْتَمَدُّ من الصدق والإخلاص، فإذا دخلها الغضب وحب الظهور، تحولت إلى نار تلتهم أثرها قبل أن تثمر. والجدال من الناحية النفسية غالبًا ليس بحثًا عن الحقيقة، بل دفاع عن "الأنا" حين تشعر بالتهديد.

حين يجادل الإنسان بإصرار لا ليسمع، بل ليثبت أنه على صواب، فهو لا يدافع عن الحق، بل عن صورته الداخلية، أمَّا الدعوة، فهي عمل من القلب لا من اللسان.

هي حالة اتزان نفسي بين الغيرة على الحق والرفق بالخلق.

الداعية الذي يجادل بعصبية إنما يفرغ توتره، لا ينقذ غيره، بينما الذي يدعو بالحكمة، يدرك أن الطريق إلى القلوب يمر من بوابة الطمأنينة لا الغضب.

يقول علماء النَّفْس: "الجدال المستمر ينهك الطرفين ويغلق العقول، بينما الحوار الهادئ يُنَشِّط مراكز الفهم ويعيد الثقة"؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني)؛ لأن التوقف عن الجدال ليس هزيمة، بل نضج يقدِّر قيمة السلام على انتصار زائف.

حين تسود روح الجدال في المجتمع الدعوي، يتحول الميدان من ساحة هداية إلى ساحة تصفية فكرية، فتضيع الجهود في الردود، وتخبو روح البلاغ، ويصبح الشاب بين نارين: جدال لا يقنعه، وخطاب لا يقرِّبه.

والمجتمع الذي يربَّى على فقه الدعوة بالحكمة، يتعامل مع الخلاف كتنوع، لا كتهديد، وفيه تتكامل الجهود بدل أن تتصادم، ويصبح الاختلاف طريقًا للتكامل لا للاحتراق.

أخطر ما يصيب العمل الإسلامي اليوم أن تستبدل لغة "الرحمة والهداية" بلغة "الخصومة والانتصار"، فالناس لا تبحث عمَّن يحاججها، بل عمَّن ينقذها من نفسها، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا) (متفق عليه).

فمَن فَقَد البشارة، فَقَد الدعوة، ومن جعل الجدال أسلوبه، لم يبقَ له نور يبلِّغ به.

ختامًا:

الدعوة نور يخرج من قلب أحب الله فأحب عباده، والجدال نار تخرج من نفس أحبت ذاتها فخاصمت الخلق باسم الله.

من أراد أن يكون داعية، فليتعلم أولًا أن ينصت أكثر ممَّا يتكلم، وأن يصلح قلبه قبل أن يصلح غيره، وأن يوقن أن الكلمة التي تخرج من قلب صادق أهدى من ألف مناظرة عقيمة؛ فادعُ إلى الله بنور من قلبك، ولا تشعل في طريقك نارًا من جدالك، فإن القلوب لا تفتح بالمطارق، بل تضاء بالمحبة والرفق والصدق.