(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) (2)
كتبه/ أشرف الشريف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكر البيهقي -رحمه الله- في "الأسماء والصفات" عن أبي سليمان الخطابي -رحمه الله- قوله: "إنما كان انزعاجه عند سماع هذه الآية لحسن تلقيه معنى الآية، ومعرفته بما تضمنته من بليغ الحجة، فاستدركها بلطيف طبعه، واستشف معناها بذكي فهمه. قال أبو إسحاق الزجاج -رحمه الله- في معنى هذه الآية قال: فهي أصعب ما في هذه السورة".
وهذه هي المهمة الجليلة لاسم الإشارة هنا في قوله -تعالى-: (ذَلِكُمُ اللَّهُ)، ثم يتبع ذلك الجلال، وتلكم الهيبة، وهاته العظمة والقوة والعلو والقهر تلطف اللطيف الخبير، البر الرحيم بقوله: (رَبُّكُمْ)؛ سبحانك ربي ما أعظمك! وما أحلمك! وما أرحمك! جل جلالك رب العالمين.
مع ما في الإشارة من قوارع التجهيل والتبكيت والتعريض بغباوة مَن لم يدركوا تلك العظمة، ويستحضروا في أنفسهم ذلك الجلال لمن له الكمال والعظمة والكبرياء؛ إذ تمكنت الغفلة من نفوسهم، وفارق الفكر والإحساس أفئدتهم، ومضوا في سكرتهم يعمهون، فتم إحضارهم بالإشارة الحسية ذات الصوت الممتد الهادر إلى ساحة التعريض بهم والتشنيع عليهم، لصرفهم العبادة لغير الله الواحد الذي ينجيهم من ظلمات البر والبحر، فالق الحب والنوى.
ومن ثَمَّ يصبح اسم الإشارة (ذَلِكُمُ) كوخزة حسية، وجذبة شديدة، وصيحة رعيدة؛ تنبه الغافل، وتزلزل الجاحد، وتفل شوكة المعاند، تبدد سُجُف الظلام، وتهتك حجب الأوهام، وتهدم وساوس الشرك، وتفيض بجليل الهيبة التي يخالطها اطمئنان، ولذة تمازجها بشاشة الإيمان، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
كما تأتي الإشارة هنا قصدًا إلى التخصيص بالحكم ونفيه عمن سوى المشار إليه؛ يتبدى ذلك حين تشتجر دلالة الإشارة ذات البعد مع دلالات سياقها الذي أكسبها عمقًا في الدلالة، وحظاها دقةً في التعبير وجِلَّة التحبير.
(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ): إذا كان الذي يصوغ الأسلوب من ذوي البصر في رياضة التراكيب، فإننا نجد البُعد الإشاري يعطي ألوانًا متعددة من الجمال وبديع المقال، فكيف بأسلوب قرآني أبلس أئمة البلاغة وأرباب الفصاحة وأعجزهم أن يأتوا بمثله، فتأمل.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.