(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) (1)
كتبه/ أشرف الشريف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال -تعالى-: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الأنعام: 102)، خطاب قرآني محكم ثجَّاج متدفق آسر، تجلى في ثوب الخبر الأخَّاذ النابض، الموحي بمعانٍ خلابة فياضة، في نظم سامق، يأخذ بلب الحصيف إلى ما يكون فيه نجاته وفلاحه، وسمو نفسه ونعيم حياته.
لمَّا ثبت في الآيات السابقة أنَّ الله فرد صمد، فالق الحب والنوى، المحيي المميت، فالق الإصباح، أنشأ الخلق من نفس واحدة، وأنشأ جنات معروشات، بديع السماوات والأرض، منزه عن الشريك والند، ومنزه عن الصاحبة والولد، غني عن العالمين... صرَّح هنا بالنتيجة فقال: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ)، واستُفتحت الآية باستفتاح يفتح مغاليق القلوب؛ لجمعه بين جلال الألوهية وعز الربوبية والتعريف بالصفات السَّنية والذات العَلية: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ)، ولجليل هذا الاستفتاح الخبري المبين باسم الإشارة الموحي بدلائل مدرارة نراه تكرر في القرآن الكريم في سبعة مواطن، كلها متعلقة بدلائل الربوبية، ترنو إلى الإيمان وإفراد الحق -سبحانه- بالعبادة والتوحيد الخالص، وفي كل موطن أنساق باعثة لجليل العبر وسمو الدلائل، وسياق نابض بالمعاني المتدفقة بدفء الإيمان المنهمر، لتخالط بشاشته القلب المدَّكِر. ومن ثَمَّ نقف وقفات تحيي فينا معالم الإيمان، وتسهم في تشييد بنيانه الشامخ على الطريقة القرآنية المبينة.
(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ): ذلكم العالي الشأن، الجليل القدر، بديع الخلق، سَنِيُّ الصفات، ذلكم العظيم في سموه، الجليل في علوه، الكبير المتعال، العزيز الحكيم، المتكبر الجبار القهار، البر الرحيم، الغني العظيم. (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ): وفي هذا التعبير القرآني المجيد السامق المونق الأخاذ المثير اللطيف المتدفق عدة لطائف ودلالات؛ منها:
أولاً: استعمال اسم الإشارة:
جُعل اسم الإشارة طريقًا إلى إحضار المشار إليه في ذهن المخاطب ونفس السامع، وتمييزه بما له من صفات الكمال وعظيم الجلال.. بواسطة هذه الإشارة الحسية التي تنزل في هذا المقام الإشارة العقلية منزلة الحسية، فيعاين المرء من خلال الإشارة معاني الصفات الإلهية، ويشهد عز الربوبية، ودلائل الوحدانية، وجلال العظمة العلية، بنفس حاضرة متدبرة، وقلب يقظ في معية التدبر؛ ذلكم الغني الذي برأ وخلق وفلق وأبدع، ذلكم الكبير المتعال المتكبر الجبار القهار.
إنَّ اسم الإشارة يهتف بهاته الصفات السنية، فتتمكن الهيبة من النفوس، ويُبعث جليل التعظيم في القلوب حتى تكاد تنفطر.. على نحو ما جاء في صحيح البخاري عن جبير بن مطعم -رضي الله عنه- قال: "سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ . أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) (الطور: 35- 37)، كاد قلبي أن يطير" (رواه البخاري). وكان جبير بن مطعم -رضي الله عنه- مشركًا قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- في فداء أسرى بدر وأسلم يومئذ.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.