الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 29 يوليه 2026 - 15 صفر 1448هـ

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (24) اسما الله (الشكور، الشاكر) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- التعرف على الله -تعالى- أجل أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).

- ورد اسما الله سبحانه (الشكور، الشاكر) في القرآن الكريم مواضع مختلفة، من أصرحها دلالة قوله -تعالى-: (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) (التغابن: 17). وقوله -تعالى-: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 158). وورد معنى شكر الله في الحديث في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ) (متفق عليه).

- مدخل وعظي لإثارة النفوس للتعرف على هذين الاسمين الجليلين (الشكور، الشاكر): تأمَّل الآية والحديث المتقدِّمين مع قوله -تعالى-: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 261). (حبة تساوي سبعمائة! كيف يساوي الواحد سبعمائة، بل أضعاف؟! نعم؛ لأن المجازي هو الله الشكور).

- دلالة معنى اسم (الشكور، الشاكر) في حق الله -تعالى-: قال السعدي -رحمه الله-: "هو الذي يشكر القليل من العمل الخالص النقي النافع، ويعفو عن الكثير من الزلل ولا يضيِّع أجر من أحسن عملًا، بل يضاعفه أضعافًا مضاعفة بغير عدٍّ ولا حساب، ومن شكره أنه يجزي بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة" (الحق الواضح المبين).

وقال الخطابي -رحمه الله-: "الشكور هو الذي يشكر اليسير من الطاعة فيثيب عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعمة (شأن الدعاء).

الوقفة الأولى: من صور شكره -تعالى- لعبده:

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وأمَّا شكر الرب -تعالى- فله شأن آخر كشأن صبره، فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور، بل هو الشكور على الحقيقة، فإنه يعطي العبد ويوفِّقه لما يشكره عليه! ويشكر القليل من العمل والعطاء؛ فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة. ويشكر عبده بقوله بأن يثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى، ويلقي له الشكر بين عباده ويشكره بفعله، فإذا ترك العبد له شيئًا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا ردَّه عليه أضعافًا مضاعفة، وهو الذي وفَّقه للترك والبذل وشكره على هذا وذاك!" (عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين).

وإليك بعض الصور:

1- لمَّا بذل الرسل -عليهم السلام- أعراضهم فيه لأعدائهم فنالوا منهم وسبوهم، شكر لهم ذلك، بأن أعاضهم من ذلك بأن صلَّى عليهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء في سماواته وبين خلقه؛ فأخلصهم: فتكرر: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ) (مريم: 16)، ثم: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) (ص: 46).

2- ولمَّا ترك الصحابة -رضي الله عنهم- ديارهم (مكة) وخرجوا منها في مرضاته، ونصرة لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، شكر لهم ذلك، وأعاضهم عنها أن ملَّكهم الدنيا وفتحها لهم، وجعل لهم في الآخرة أحسن الجزاء: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 100).

3- ولمَّا بذل الشهداء له أرواحهم وأبدانهم حتى مزَّقها أعداؤه، شكر لهم ذلك بأن أعاضهم عنها حياة برزخية خاصة: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران: 169).

وبالجملة: إذا قام العبد من عباده مقامًا يرضيه بين الناس؛ شكر ذلك له؛ ونوَّه بذكره عند ملائكته وعباده المؤمنين، كما شكر لمؤمن آل فرعون ذلك المقام، وأثنى به عليه؛ ونوَّه بذكره بين عباده؛ فقال: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) (غافر: 45). وكذلك شكره لصاحب يس مقامه ودعوته إليه؛ فقال: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ . قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس: 26- 27). (وكذلك شكره لأهل مجالس الذكر، وقائم الليل، وأهل صعيد عرفة، وغيرهم وغيرهم).

ومن عجيب شكره -تعالى- لعبده:

1- أنه يشكر للعصاة إذا عملوا عملًا صالحًا، وإن لم يتوبوا من عموم معاصيهم، فقد غُفِرَ للمرأة البغي بسقيها كلبًا كان قد جهده العطش حتى  أَكَلَ الثَّرَى، وغفر لآخر بِتَنْحِيَتِه غُصْنَ شَوْكٍ عن طريق المسلمين.

2- وأنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير؛ ولا يضيِّع عليه هذا القدر: فيقول -تعالى- يوم القيامة: (انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ) (متفق عليه).

3- وأبلغ من ذلك: أنه يجازي عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا! (بمال - بجاه - بجمال - بمتاع - ...) وربما يخفِّف به عنه يوم القيامة (فالكفار في دركات مختلفة من النار)؛ فلا يضيِّع عليه ما يعمله من الإحسان؛ وهو من أبغض خلقه إليه! كما في مجازاة أبي طالب على إحسانه للنبي -صلى الله عليه وسلم-.

الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسميه -سبحانه- (الشكور، الشاكر):

أولًا: محبته -سبحانه-:

- حيث إنه -سبحانه- قد غمر العباد بفضله وإحسانه وكرمه، وهو الذي أنعم عليهم بنعمة الإيجاد والإعداد والإمداد، ومع ذلك فحينما يعملون العمل الصالح القليل الذي هو بتوفيقه وفضله، يشكرهم عليه ويضاعف لهم الأجور ويغفر لهم الذنوب؛ ويقول لهم: (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) (الإنسان: 22).

- فسبحانه مِن إله برٍّ رحيمٍ جوادٍ كريمٍ يستحق الحب كله: (قيل لأعرابي في مرضه: إنك تموت، فقال: ثم إلى أين؟ قالوا: إلى الله. فقال: كيف تكرهون أن أقدم على ربٍّ شكور، يعطي على القليل الكثير؟!).

ثانيًا: الحياء منه -سبحانه- والسعي في مرضاته:

- إذا كان الخالق المنشئ، المنعم المتفضل، الغني عن العالمين يشكر ويجازي (الواحد عنده = عشرة، بل إلى أضعاف مضاعفة) فالواجب على العباد المخلوقين الضعفاء المغمورين بنعمه، أن يستحيوا من ذلك الكرم والمن بالاستجابة لأمره، والمسارعة في مرضاته: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) (متفق عليه).

قصة من واقع الحياة (الزوجان وبناء المسجد):

يقول أحد الدعاة إلى الله: كنت أقف أمام أحد المتاجر الكبيرة مع صاحب لي، فقال صاحبي: ألا أخبرك بقصة صاحب هذا المتجر؟ إنه كان هو وزوجته منذ سنوات يجمعان المال من راتبيهما الوظيفيين لأجل شراء بيت العمر للأسرة، وظلَّا يجمعان المال سنوات، حتى إذا قاربا النهاية المطلوبة، إذا بالزوج وقد سمع من أحد الدعاة في المسجد حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). فوقع الكلام منه موقعًا، وشعر بالحياء من الله، فقرَّر أن يكون المال المدخر لبيت الدنيا ثمنًا لبيت في الجنة، فرجع إلى زوجته، وأخبرها بالأمر، وأنه يستحيي من الله أن يعده ببيت في الآخرة شكرًا على عمله ولا يفعل! فإذا بالزوجة تسلك مسلكه نفسه. وتم بناء المسجد، ثم شرعا في الادخار مرة أخرى لبيت العمر، فماذا تظن أن يكون فعل (الشكور، الشاكر) -سبحانه- معهما؟ وهو الذي يقول: (وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) (الإنسان: 22).

لقد يسَّر الله الشكور لهذا الرجل بابًا للتجارة، وفتح له أسباب الرزق من أوسع أبوابها! وفي سنوات قليلة صار الرجل صاحب سلسلة كبيرة من المتاجر المشهورة، وصاحب بيوت كثيرة من بيوت الدنيا! (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) (الإنسان: 22).

ثالثًا: الاتصاف بموجب هذين الاسمين الكريمين (الشكور، الشاكر)، والبعد عن ضدهما:

- لمَّا كان -سبحانه- هو الشكور على الحقيقة، كان أحب خلقه إليه مَن اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه من عطَّلها واتصف بضدها، وهو الكفر والجحود، قال -سبحانه-: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (البقرة: 152)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- نموذج في الشكر باليسير من العمل، وفاءً وحفظًا للجميل: قال أبو حنيفة -رحمه الله-: ما صليت منذ مات شيخي حماد، إلا استغفرت له مع والدي، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علمًا أو علمته علمًا! وقال أبو يوسف -رحمه الله-: إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبوي! وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له! وقال بعض العقلاء: تعلموا أن تنحتوا المعروف على الصخر.

خاتمة:

- كثير من الناس يعملون ويشتدون طلبًا لشكر المخلوقين الفقراء الضعفاء، فتضيع أعمالهم ويغفلون عن العمل الذي يطلب شكره من الغني الكريم (الشكور، الشاكر) الذي لا يضيِّع أجر المحسنين، قال -تعالى-: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) (المزمل: 20).

- لا تستهن بيسير العمل عند الشكور -سبحانه- (أمثلة: إغلاق صنبور الماء المفتوح في الأماكن العامة - إنارة مدخل العمارة بمصباح صغير - إعانة ضعيف في الطريق أو المواصلات - نصيحة بعمل صالح - كلمة طيبة - إماطة أذى - ...) فهو يجازي على القليل بالكثير، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ) (متفق عليه).

جعلنا الله وإياكم من الشاكرين.