كتبه/ محمد صادق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالإنسان لم يخلق ليعيش وحيدًا، بل خلق ليكون جزءًا من نسيج أكبر، يكتمل به ويكمل غيره.
وحين ينكفئ على نفسه ويعجب برأيه، تبدأ النار الخفية في داخله؛ نار الفردانية التي تلتهم روح الجماعة، وتحوِّل "نحن" إلى "أنا".
نور الجماعة؛ دفء وسند واتزان، ونار الفردانية؛ وحدة وغرور وضياع؛ قال الله -تعالى-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103).
الإسلام لا يقيم الإنسان منعزلًا، بل في جماعة متآخية متكافلة، لأن الإيمان لا يزهر إلا في بيئة من التعاون والتناصح.
ومن تأمَّل السيرة النبوية، وجد أن كل مراحل الدعوة كانت جماعية: دار الأرقم، والهجرة، والمؤاخاة، والجهاد، والبيعة… كلها تؤكد أن الطريق إلى الله لا يسلك فرادى.
أمَّا الفردانية المفرطة: فهي مرض هذا العصر، تُزَيِّنُه شعارات الحرية والاستقلال، لكنها في الحقيقة عزلة عن المعنى، وفي الحديث: (إِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ) (رواه أبو داود، والنسائي، وحسنه الألباني). فمن خرج عن الصف، صار طُعمًا للشبهات والهوى والشيطان.
ومن الناحية النفسية، الإنسان كائن اجتماعي بالفطرة، يحتاج إلى الانتماء كما يحتاج إلى الهواء.
فالعلاقات الدافئة تنظِّم مشاعره، وتخفِّف ضغوطه، وتشعره بالمعنى، لكن الفردانية الحديثة روَّجت لفكرة "كن نفسك فقط" حتى جعلت الإنسان سجين ذاته، يعيش في دائرة مغلقة من المقارنة والعزلة والاكتفاء الرقمي.
الانفصال عن الجماعة ينتج فراغًا وجوديًّا؛ لأن الإنسان بلا "نحن" يعيش بلا هدف سوى ذاته، وكل من يجعل ذاته محور الكون، ينتهي فاقدًا للاتزان والرضا.
أمَّا من يعيش بروح الجماعة، فيجد في العطاء سكينة، وفي التعاون علاجًا، وفي الارتباط بالصف حماية من الانهيار النفسي.
الانتماء الصادق يشعر الإنسان بأنه جزء من قصة أكبر من نفسه، وذلك يمنحه معنى، وطمأنينة، وقوة على تحمُّل الصعاب.
المجتمع الذي يربَّى على روح الجماعة هو مجتمع متماسك، تسنده الثقة، ويقوده التكامل، وتنتشر فيه ثقافة "نحن معًا".
أمَّا المجتمع الذي تسيطر عليه الفردانية، فهو هش متشظٍّ، كل يبحث عن مجده الخاص، حتى لو احترق الجسر بينه وبين الآخرين.
الفردانية تفكِّك الأسر قبل أن تفكِّك الأمم، تجعل الأخ لا يرى من أخيه إلا منافسًا، وتجعل الداعية يعمل وحده باسم "التميُّز"، حتى تنطفئ الدعوة بتفرُّق أصحابها.
وفي الدعوة خاصة، الفردانية سُمٌّ بطيء، تحوِّل العمل الجماعي إلى سباق على الظهور، وتجعل المشروع الدعوي ساحة "أنا أولًا" بدل "نحن لله".
المجتمع النبوي كان أعظم مدرسة في الجماعية: كل له دور، وكل يجد نفسه في الجماعة لا في الظل ولا في الصدارة، ولذلك قامت حضارة متماسكة على أكتاف قلوب متحدة في الهدف وإن اختلفت الأدوار.
نور الجماعة ينير الطريق حين تضعف أنوارنا الفردية، فكل واحد منا مصباح صغير، لكن حين نجتمع نصبح فجرًا.
أمَّا نار الفردانية، فمهما بدت لامعة، فهي تحرق صاحبها في النهاية.
فلتكن في صف لا في عزلة، ولتسعَ لأن تكون خيطًا في نسيج الأمة لا خنجرًا في يد نفسك.
واجعل شعارك دائمًا: "معًا إلى الله، لا وحدي".