كتبه/ أشرف فراج
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فنذكر قصة ابن المنكدر التي أوردها الإمام الذهبي في كتابه: (سير أعلام النبلاء)؛ لنفهم معنى: (لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ)، وابن المنكدر في المدينة والقصة في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-.
قال ابن المنكدر: "إني لليلة مواجه هذا المنبر -منبر النبي -صلى الله عليه وسلم-- في جوف الليل أدعو، فإذا بإنسان عند اسطوانة -الأسطوانة بمعنى العمود- مقنع رأسه (أي: أنه لا يُعرف)، يقول: أي ربي، إنَّ القحط قد اشتد على عبادك، وإني مقسم عليك يا ربي إلا سقيتهم! (طلبه ليس فيه أعطني وأطعمني وأسقني، إنما يتكلم عن العباد)، فما كان إلا ساعة وإذا بسحابة قد أقبلت فأمطرت الدنيا، وكان عزيزًا عليَّ أن يخفى عليَّ أحدٌ من أهل الخير (رجل يُقسم على الله وينزل الله مطرًا من أجله وأنا لا أعرفه)، فابن المنكدر كان من علماء المدينة وكان يحب أهل الخير ويحب مجالستهم، ويعرف أهل الخير المقبلين المجتمعين في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان هذا شخصًا لا يعرفه، رجل يقسم على الله وينزل الله مطرًا من أجله وهو لا يعرفه!
فلما سَلَّم الإمام من صلاة الفجر (أي: أنَّ الرجل في وقت صلاة القيام كان متقنعًا ثم كشف وقت صلاة الفجر مع المسلمين ثم انصرف)، وكان قد رآه قبل صلاة الفجر يقوم الليل، فقام الرجل وتقنع وانصرف، فقام ابن المنكدر واتبعه حتى جاء بيته ففتح ودخل، فرجع ابن المنكدر لمَّا علم بيت الرجل.
قال: فلما صليت الضحى أتيته في بيته وقلت له: أأدخل؟ فقال: ادخل. فدخلت فوجدته ينجر أقداحًا، فقلت: كيف أصبحت أصلحك الله؟ فاستشهرها وأعظمها! (شعر أنها كلمة عظيمة أن تُقال له من ابن المنكدر)، فلما رأيت ذلك منه قلت له: إني سمعت إقسامك البارحة على الله، يا أخي هل لك في نفقة تغنيك عن هذا وتفرغك لما تريد من الآخرة؟ قال: لا، ولكن غير ذلك (أي: أريد منك شيئًا غير هذا)، قلت: ما هو؟ قال: لا تذكرني لأحد، ولا تذكر هذا لأحد حتى أموت، ولا تأتني يا ابن المنكدر، فإنك إن أتيتني شهرتني للناس (وهو لا يريد هذه الشهرة).
قلت: إني أحب أن ألقاك! وهذه مشاعر طبيعية من ابن المنكدر؛ لأنَّ الإنسان لمَّا يجد أحدًا يحب الله ويكون على الجادة ويجد له مكانة عند الله، فأكيد أنه سيتمسك به. قال: إن كان فليكن في المسجد، أي: إن كنت تريد أن تلقاني ففي المسجد، لكن لا تدخل عليَّ بيتي لأنَّ دخولك عليَّ بيتي سيكون سببًا لاشتهاري.
قال ابن وهب الذي سمع القصة: بلغني أنه انتقل من تلك الدار فلم يُرَ ولم يُدرَ أين ذهب! يعني: الرجل المقنع بعد ما قال لابن المنكدر أن يلقاه في المسجد خرج واختفى.
فقال أهل تلك الدار (أي: الذين يحيطون به) الله بيننا وبينك يا ابن المنكدر، أخرجت عنا الرجل الصالح!" (سير أعلام النبلاء).
فهذا الرجل المقنع هرب؛ لأنه خاف على نفسه أن يكون ابن المنكدر فتنةً له، وأن يكون هذا سببًا لاشتهاره!
فمثل هذا الأشعث الأغبر المدفوع بالأبواب هو الذي لو أقسم على الله لأبره، لكن مثل هذا ما وزنه عند الناس؟ لا شيء! وانظر إلى نفسك لمَّا تذهب لنجار، أو مرِّر على عقلك شيئًا من الصناعات، فحتى وأنت تكلمهم تكلمهم على أنهم لا شيء، في قلبك هذه المشاعر أنهم لا شيء، وأنت لا تدري من يكونون عند الله -عز وجل-!
وللحديث بقية -إن شاء الله-.