الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 27 يوليه 2026 - 13 صفر 1448هـ

القصة الأولى

كتبه/ إكرامي فؤاد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

أهو مخلوق اصطفاه الله، أم ابن مصادفة عمياء؟ أهو خليفة في الأرض، أم كائن عابر؟ أتبدأ قصته بتكريم، أم بخطيئة؟

ليست هذه أسئلة عن بداية الإنسان وحدها، بل عن مستقبله كله؛ فالإنسان يعيش وفق القصة التي يصدقها عن نفسه، والقصة الأولى ليست حكاية تُروى، بل العدسة التي يرى بها نفسه وربَّه والحياة من حوله، فإذا انكسرت هذه العدسة، لم يختل النظر إلى شيء واحد، بل إلى كل شيء. ولهذا حفظ القرآن أول قصة في تاريخ البشر؛ لأنها ليست خبرًا عن الماضي فحسب، بل مفتاحًا لفهم الإنسان في كل زمان.

فقصة آدم -عليه السلام- خريطة وجود الإنسان؛ منها يَعرف أصل نشأته يوم خُلِق على التوحيد، فالفطرة سبقت الزلة، والهداية سبقت الامتحان.

وما كان الإنسان الأوَّل سمكة تطورت، ولا قردًا ترقَّى، ولا كائنًا بدائيًّا يتوارى خلف ورقة تستر بالكاد سوأته؛ بل كان نبيًّا مُكَلَّمًا، علَّمه الله قبل أن يَبْتَلِيَه: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) (البقرة: 31)، وكرَّمه قبل أن يكلِّفه: (اسْجُدُوا لِآدَمَ) (البقرة: 34). فجاءت البداية علمًا، وهداية، واصطفاءً، ثم كان الهبوط إلى الأرض انتقالًا إلى دار الامتحان، لا انقطاعًا عن الهداية.

وكما صحح القرآن بداية الإنسان، صحح بداية الكون؛ فلم يكن الوجود طبيعة أَوْجَدَت نفسها، ولا انفجارًا بلا مُفَجِّر، ولا كونًا بلا مُكَوِّن، بل: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) (النمل: 88)، (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) (الملك: 3). فمن عرف من خلقه، عرف لماذا خُلِق، ومن عرف غايته، استقامت وجهته؛ أمَّا من ضاعت منه البداية، فلن تغنيه براعة السير في آخر الطريق.

ثم يكشف القرآن حقيقة بالغة الدلالة؛ فأول خطيئة في الوجود لم تكن خطيئة إنسان، بل خطيئة شيطان، ولم تبدأ بشهوة غلبت صاحبها، بل بكبر عابد!

ففي اللحظة التي انتظم فيها الوجود على الطاعة، وسكنت الملائكة سجودًا لربها، وقف إبليس وحده خارج هذا الإجماع: (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة: 34). ومن هناك بدأ طريق الغواية، ولم يرضَ إبليس أن يَشِذَّ وحده، بل أراد أن يجعل الشذوذ طريقًا يُسلك، والاستكبار فكرة تورث، والانحراف منهجًا يمتد عبر الأجيال. لذلك لم يترك الله الإنسان في غفلة، بل كشف له عدوه منذ البداية: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) (فاطر: 6).

فهو لا يهدم الفطرة دفعة واحدة، وإنما يبدأ بتغيير المعاني، وتبديل الأسماء، حتى يُلبس الباطل ثوب الحق، والهوى ثوب الحرية، والانقلاب على الفطرة ثوب التقدم.

وتأمل كيف جعل القرآن أوَّل قصة في تاريخ البشر مفتاحًا لأربع بدايات يتفرَّع عنها كل ما بعدها: بداية الإنسان، وبداية الكون، وبداية الانحراف، وبداية الخلاص. فخلق الإنسان على الفطرة، ورد الكون إلى خالقه، وكشف أن أوَّل الانحراف استكبار شيطان، لا زلة إنسان؛ ثم ختم أوَّل زلة بشرية بتوبة قبلها الله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) (البقرة: 37).

ومنذ ذلك اليوم، لم يزل الشيطان يحارب الإنسان بالطريقة نفسها؛ فإن عجز عن تغيير الحقيقة، غيَّر تفسيرها، وإن عجز عن تبديل الفطرة، بدَّل أسماءها؛ ولذلك لم تتغير حقيقة آدم، ولا الكون، ولا الخطيئة، ولا التوبة؛ وإنما تغيَّرت الرواية التي قُدِّمت للناس عنها.

ومن هنا أعادت الفلسفات المادية كتابة أصل الإنسان، وأعادت بعض التصورات الدينية كتابة أصل الخطيئة، ثم بنيت عقائد الخلاص والفداء على صلب مزعوم لرفع ذنب أعلن القرآن منذ أوَّل القصة أن الله تاب على صاحبه. وهكذا لم يكن تحريف البداية خطأً عابرًا في أول الطريق، بل أصلًا تفرعت عنه انحرافات شتى.

ولهذا لم يحفظ القرآن الكريم قصة آدم لنقرأ بها أوَّل التاريخ فحسب، بل لنقرأ بها كل تاريخ. فكل تصور ينكر أصل الخلق، أو يعبث بالفطرة، أو يجعل الإنسان ابن صدفة لا خليفة في الأرض، إنما يبدأ بتحريف القصة الأولى.

وهكذا لا تكون معرفة القصة الأولى رجوعًا إلى الماضي، بل هداية للمستقبل، فمن عرف كيف بدأت قصته، عرف إلى أين ينبغي أن ينتهي، وظل يهتدي في كل منعطف بالوعد الإلهي: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (طه: 123).